القاهرة تستقبل بايدن بإطلاق قانون الجمعيات الأهلية

الحكومة المصرية تستبق الضغوط بإجراءات لتحسين الوضع الحقوقي.
الأربعاء 2020/11/25
غلق منافذ التوتر المتوقعة

تستبق السلطات المصرية تسلم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن منصبه رسميا بتحصين نفسها من اتهامات قد تطالها في الملف الحقوقي، حيث سارعت إلى الحديث عن قرب الإفراج عن لائحة قانونية تنظم عمل الجمعيات الأهلية في مصر.

القاهرة - أبدت السلطات المصرية مرونة لافتة في ملف منظمات المجتمع المدني بعد فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، في خطوة استباقية لتجنب ضغوط خارجية في الملف الحقوقي.

وتتزامن هذه الخطوة مع مساع حكومية حثيثة لإغلاق منافذ التوتر المتوقعة مع إدارة بايدن في ملف الحريات وحقوق الإنسان والمجتمع الأهلي، وهو الملف الذي كانت تستغله إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في العلاقة مع القاهرة.

وأعلنت وزيرة التضامن المصرية نيفين القباج، خلال مؤتمر صحافي الأحد مع السفير الأميركي جوناثان كوهين في مقر سفارته، أن اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية على وشك الخروج للنور قبل نهاية العام الجاري، ما يعني وجود نية لدى الحكومة لإنجاز الملف قبل وصول بايدن رسميا إلى البيت الأبيض.

وتعطل العمل بقانون الجمعيات الأهلية الذي أقره مجلس النواب منذ نحو ثلاثة أعوام، رغم تعديله بناء على طلب الرئيس عبدالفتاح السيسي تجاوبا مع تذمر حقوقي محلي ودولي من بعض مواده، ومع ذلك تجمدت لائحته التنفيذية.

ولم يكن يشكل قانون الجمعيات الأهلية أزمة في العلاقات بين القاهرة وواشنطن خلال فترة حكم دونالد ترامب، وكانت بعض القضايا الإقليمية والتصدي للإرهاب، ملفات ذات أولوية قصوى، الأمر الذي دفع القاهرة للتراخي في إصدار اللائحة التنفيذية.

وتوقعت دوائر سياسية أن تكون خطوة الحكومة بالإفراج عن اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية، استباقية لتجنيب نفسها الحرج أمام الرأي العام، بأنها أنجزت الملف استجابة لضغوط خارجية.

وقالت مصادر حقوقية قريبة من دوائر حكومية تعد اللائحة التنفيذية لـ”العرب”، إن هناك إصرارا على تضمين اللائحة موادا مطابقة لبعض المنصوص عليه في قوانين العمل الأهلي بدول غربية، لتأكيد حسن النوايا بأن الحكومة عازمة على تغيير الصورة الذهنية السلبية التي تتهمها بالتضييق على المنظمات الحقوقية.

وتدرك القاهرة أن استمرار إثارة قضايا المجتمع المدني سوف تكون له تبعات سلبية لتحركاتها على المستويين الإقليمي والدولي وتقديم نفسها كشريك مهم لدول كبرى في الاتحاد الأوروبي أصبحت تتداول هي الأخرى ملف حقوق الإنسان باهتمام.

سعيد عبدالحافظ: اللائحة ستغلق بابا من الريبة والشك استمر لسنوات
سعيد عبدالحافظ: اللائحة ستغلق بابا من الريبة والشك استمر لسنوات

وأضافت المصادر أن الحكومة تستبق إثارة ملف الجمعيات الأهلية بعد وصول بايدن إلى البيت الأبيض، بتحصين نفسها من اتهامات قد تطالها بسبب الملف، بحيث تبادر بتوصيل رسائل مفادها أنها مهتمة بتصحيح المسار دون أن يُطلب منها ذلك.

وعولت الحكومة على التحرك الدبلوماسي كظهير سياسي يدعم وجهة نظرها المرتبطة بأسباب التضييق على منظمات المجتمع المدني، لكنها أدركت لاحقا حتمية أن يكون هناك تشريع يدعم الشق الدبلوماسي الذي لن يجدي نفعا مع أنظمة غربية اعتادت توظيف الملف لأغراض سياسية.

وأكد رئيس ملتقى الحوار والتنمية لحقوق الإنسان سعيد عبدالحافظ أن اللائحة ستغلق بابا من الريبة والشك استمر لسنوات، ويعني قرب إصدارها أن الحكومة تريد فعلا طمأنة المنظمات الحقوقية الدولية بأنها أصبحت معنية بالاهتمام بالعمل الأهلي، وفي نفس الوقت غلق المنافذ غير الشرعية بقوة القانون.

وأوضح لـ”العرب”، أن خطوة الحكومة تأخرت كثيرا، لكنها كفيلة بفك الاشتباك مع مؤسسات ممتعضة من ضبابية المشهد، ولا تعرف كيف تعمل وسط هذه الأجواء، ولا يعني إصدارها أن تكون هناك حرية مطلقة للمنظمات، لأنها ستكون محكومة بإطار يحترم السيادة دون صدام مع الدولة.

وترى أصوات معارضة أن معيار الحكم على جدية الحكومة فتح المجال أمام المنظمات الأهلية سوف يكون بتطبيق القانون، وليس تضمين لائحته التنفيذية بمواد أوروبية غير قابلة للتنفيذ على الأرض، والإيحاء بأن هناك مرونة على الورق فقط، في حين أن المضايقات مازالت مستمرة.

وما يعطي للقاهرة مساحة أكبر لتوظيف ملف المنظمات الحقوقية كأداة سياسية، أن بعض البلدان الأوروبية اكتوت بنار الجمعيات الأهلية التي تحولت إلى أداة في يد تنظيمات وتيارات متشددة، وأغلبها يتم تمويله من قطر وتركيا بشكل خفي.

وأشار عبدالحافظ، لـ”العرب”، إلى أن مصر لا تريد تكرار الخطأ الذي وقعت فيه دول غربية بفتح المجال على مصراعيه أمام منظمات أهلية مدعومة من بلدان متهمة بدعم الإسلام السياسي، حتى استفاقت فجأة على كارثة تمويلات مشبوهة، لذلك “لن تتراجع القاهرة عن مراقبة مصادر التمويل والإنفاق مهما كانت الضغوط”.

وتكمن المشكلة في أن خطاب القاهرة الدبلوماسي لم يستطع بعد شرح وجهة نظر الحكومة في ربط التضييق على المنظمات الحقوقية بطبيعة الأوضاع الأمنية واستمرار خطر الإرهاب، واختلاف معايير تقييم الدول الغربية عن الواقع المصري وطبيعة المجتمع وتسلل المتشددين إليه من خلال العمل الأهلي والإنساني.

وأخفقت الحكومة في استمالة بعض المنظمات والجمعيات المحلية والدولية الموثوق بها في الخارج، لدعم وجهة نظرها، والتسويق لسياستها الخاصة بالعمل الأهلي، حتى بدت وحدها في مواجهة الهجمات الخارجية التي تتهمها بالتضييق دون ظهير حقوقي يخشى أن يمتدح الحكومة فيتم حرمانه من الحصول على مساعدات أجنبية.

ويقول حقوقيون إنه حتى لو أظهرت الحكومة المصرية بعضا من المرونة في الملف الأهلي اتساقا مع توجهات الإدارة الأميركية الجديدة، فإن ما قد يثير المنغصات مستقبلا بين الطرفين، إفساح المجال بشكل أكبر أمام الجهات الأمنية لتنفيذ القانون، وهذه المؤسسات لديها حساسية مفرطة تجاه كل شيء يرتبط بالعمل الحقوقي بدعوى الحفاظ على الأمن القومي.

وقد تكون لدى الجهات الأمنية أدلة منطقية لانحراف منظمات أهلية عن مسارها وربما أداة لغسيل وتبييض أموال، لكن طريقة التعامل معها تشوبه بعض الأخطاء، مثل طريقة الضبط وتوقيتاتها والتعامل مع المتهمين بشكل مهين، ما يعطي لأطراف خارجية حجة التدخل وإظهار الامتعاض بقسوة.

ويتوقع مراقبون أن يكون الخلاف الأكبر بين واشنطن والقاهرة في ملف المجتمع المدني، فالأخيرة تتمسك بعدم تحويل المنظمات الأهلية لقناة بديلة للأحزاب السياسية، والإصرار على ربط أنشطة وتمويلات الجمعيات الأهلية بخطة الدولة واحتياجاتها التنموية وأولوياتها القومية، بينما ترى الأولى ضرورة الانفتاح بلا ضوابط قاسية.

ويتوقف نجاح الحكومة في تقريب وجهات النظر مع إدارة بايدن على حال الأوضاع الحقوقية عموما، ومدى قدرتها على عزل الملف بعيدا عن العلاقات الإستراتيجية بين البلدين، والتي وصلت إلى مرحلة الانسجام خلال فترة حكم دونالد ترامب.

2