القاهرة تستقبل مؤتمرا عالميا لترشيد الفتاوى ووقف التطرف الديني

بريق أمل في أن تتراجع حدة التطرف والإرهاب التي تفاقمت مؤخرا، بالتوازي مع وقف شامل للفتاوى التحريضية، والمضي قدما لتفكيك الفكر التكفيري أو ما يسمى بـ”فكر التفجير”، ونشر قيم التسامح والتعايش بين الطوائف وأتباع الأديان في جميع المجتمعات العربية، هي النقاط الأساسية التي وصل إليها مؤتمر الإفتاء العالمي بالقاهرة والذي كان فرصة هامة لعالمية جديدة للإسلام ترتكز على ترشيد الخطاب الديني في الدول الإسلامية قاطبة.
الثلاثاء 2015/08/18
اجتماع العلماء من عشرات الدول في مصر يشير إلى أهمية المواجهة واقتلاع التطرف

القاهرة - اتفقت غالبية الحضور في مؤتمر الإفتاء العالمي الذي نظم بالقاهرة على أن ما يجري حاليا من انقسام بين الشعوب، وتنامي ظاهرة إباحة القتل بالذبح والحرق والترويج لتكفير فئات بعينها، يرجع أولا وأخيرا إلى الفتاوى الشاذة الصادرة عن تنظيمات متطرفة، والتي يستند إليها مؤيدوها وأتباعها لهدم الدول وكسر إرادة الشعوب والمؤسسات، تحت زعم مخالفتها لتعاليم الإسلام، رغم أن الدين الإسلامي بريء منها.

المؤتمر يعد خطوة جديدة على طريق مواجهة الفكر بالفكر، وتبنى وسطية منهجية معتدلة تتصدى للتشدد ومواجهة المرجعيات الدينية المتطرفة التي تكتوي بها الأمم، ويستهدف إعادة المرجعية المعتدلة في الدين، لكنه عقد أيضا وسط انقسام دولي واتهامات برعاية بعض البلدان لتنظيمات متطرفة في محاولة للاستقواء بها لتحقيق أهداف متباينة، منها المعلن والخفي.

وقد تزامن توقيت عقد المؤتمر المتعلق بتوحيد الفتاوى الدينية مع انتشار الفكر التكفيري، واتساع نطاق عمليات القتل والترويع والعنف، وتنامي الجماعات المسلحة، التي تستهدف مؤسسات عسكرية وشخصيات سياسية، وصل مداها إلى المواطنين أنفسهم، واستخدم في ذلك سلاح الفتوى لتبرير العنف وإراقة الدماء وزعزعة استقرار المجتمعات، وتنامي ظاهرة “فوضى الفتاوى”.

وقد رأت ورش العمل التي عقدت على هامش المؤتمر في خطورة “الفتاوى الشاذة” أنها أصبحت سلاحا مشروعا في تبرير العنف وإراقة الدماء وزعزعة استقرار المجتمعات، وهي ظاهرة خطيرة لها آثار سلبية على الأفراد والمجتمعات.

الفتاوى الشاذة الصادرة عن تنظيمات متطرفة سببت الدمار والخراب للشعوب وتجب محاربتها

لذا اجتمع ممثلو الفتوى في 50 دولة عربية وإسلامية، على طاولة واحدة، وإلى جوارهم ممثلون عن الديانة المسيحية، لوضع حد فاصل بين عصر فوضى الفتاوى، الذي تسبب في زعزعة استقرار المجتمعات، وأدى إلى التطرف، وافتتاح عصر الفهم الدقيق لطبيعة الدور الإفتائي، وما يكتنفه من ضوابط يمكنها مع التطبيق أن ترتقي به إلى أعلى مستوياته وتسهم في عجلة البناء والتنمية، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تدهور اقتصادي، وتشريد أُسري في البلدان التي حل بها الدمار، بسبب فتاوى الإرهاب.

ورغم أن مؤتمر القاهرة يأتي ضمن سلسلة مؤتمرات عقدت في دول عربية وإسلامية، نظمت لمحاربة الفكر المتشدد بفتاواه الغريبة، إلا أن الفتاوى بقيت كما هي، بل تنامت ولم تتأثر بما خلصت إليه تلك المؤتمرات. لكن القائمين على مؤتمر القاهرة يؤكدون أن الجديد هذه المرة هو نقاش مشكلات الإفتاء لوضع حلول جذرية لها، ومحاولة الارتقاء بها من أزمة الفوضى والجمود إلى الإفتاء الحضاري بمنهجه العلمي الفعال، وإنشاء أمانة عامة لدور الإفتاء في العالم للتنسيق بين الجهات العاملة في مجال الإفتاء، ورفع كفاءة الأداء“الإفتائي” لهذه الجهات وزيادة فاعليتها في مجتمعاتها، حيث يصبح الإفتاء أحد عوامل التنمية، كما تهدف لبناء تكتل إفتائي وسطى علمي منهجي، يعمل على حصار ظاهرة تصدر غير المؤهلين للإفتاء.

الأمانة العامة للإفتاء العالمي التي تمخض تأسيسها عن جلسات المؤتمر ورؤى للمشاركين لوقف هدم الدول بالفتاوى الشاذة، تستهدف التبادل المستمر للخبرات بين دور الإفتاء وإنشاء بنك إلكتروني لإيداع الخبرات والانتفاع بها واستثمارها وتقديم العون للدول والأقليات الإسلامية، وإنشاء دور إفتاء محلية تساعد على نشر الوسطية والاعتدال في هذه الدول ووضع معايير وضوابط لمهنة الإفتاء، وكيفية إصدار الفتاوى، تمهيدا لإصدار دستور للإفتاء يلتزم به المتصدرون للفتوى ودور الإفتاء الإقليمي، وصولا لمنهجية موحدة في الفتوى. وهو ما يقلل من مساحة الخطأ في الفتوى، وقتل أي فتاوى تحريضية في مهدها، قبل انتشارها واستخدامها في ترويع الشعوب وهدم مؤسسات الدول وإنشاء مزيد من الجماعات المتطرفة والدموية.

مؤتمر القاهرة يعد خطوة هامة في سلسلة الإجراءات المحاربة للتكفير
ومن الأمثلة التي ذكرها المؤتمر كان المثال المصري، فقد عرفت مصر حالات عنف متزامنة، تزايدت حدتها مع فتاوى أطلقها متطرفون بإباحة قتال عناصر من الجيش والشرطة وعدد من السياسيين والإعلاميين، وتضاعف ذلك في شبه جزيرة سيناء، التي شهدت تناميا مطردا للجماعات المسلحة، وأبرزها ما يسمى بـ”ولاية سيناء” وهي ذراع تنظيم داعش في مصر. وقد صرح علي جمعة مفتي مصر ورئيس المؤتمر أن مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف ودعوات سفك الدماء تتطلب الاعتدال وترسيخ مبادئ الوسطية في الفتاوى، معتبرا أن الفتاوى المتطرفة تزعزع المجتمعات، وقد تدمرها تماما، وأن الأفكار التي أدت للإرهاب بعيدة كل البعد عن منطق العقل والتشريع الإسلامي.

غير أن مخاطر الفتوى تلخصت في كلمة شيخ الأزهر الشريف، الدكتور أحمد الطيب، حينما قال إن بعضها صار يبيح ما لا يمكن إباحته، والأخطر أن تفرض فتاوى عفا عليها الزمن، ولم تعد تصلح في العصر الحديث، مدللا على ذلك بهدم التماثيل والكيانات الأثرية بالعراق وسوريا، تحت مبرر أن الإسلام حرّم بنائها لأن البعض يستخدمها على غرار “عبادة الأصنام”. وأضاف “الخوف على المسلمين من الشرك، بسبب التماثيل تخريف وعبث”، محذرا من أن استمرار الفتاوى الشاذة سيهدم بلدانا وشعوبا بأكملها.

إنشاء مركز إعداد المفتين عن بعد يكون تابعا لدار الإفتاء المصرية جاء ضمن الأفكار التي تبناها المؤتمر ليصبح الهيئة الوحيدة المتخصصة في إعداد وتأهيل المفتين، بإشراف لجنة علمية من كبار العلماء، بهدف تخريج مفتي كفء متخصص، إضافة إلى إنشاء مركز عالمي لفتاوى الجاليات المسلمة، مع تدشين دستور أو “ميثاق شرف” للإفتاء، للحيلولة دون ممارسة التيارات المتشددة للإفتاء، باعتبارها تيارات مخالفة ومنتهكة للمبادئ الأخلاقية لمهنة الإفتاء.

وتوصية بإنشاء مركز دولي لتحليل وتفكيك وتفنيد الفتاوى التكفيرية، يشترك فيه باحثون من دول مختلفة الثقافات من المهتمين بالدراسات التي تتناول التشدد الفكري، خاصة في مجال العنف والتكفير.

واشترط علماء المؤتمر في المفتي أن يكون متيقظا ومنتبها بعيدا عن الغفلة والالتزام بالمعايير العلمية في الفتوى، فلا يجوز أن تطوع النصوص من القرآن والسنة لتأييد معتقد سياسي أو حزبي، كما يحدث في بعض الفتاوى الصادرة هنا وهناك، وأن يكون من يتعرض للإفتاء قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة وله دراية في ممارسة المسائل والإلمام بالواقع المعاش.

الوسطية والمنهج العقلاني في استنباط الأحكام يعدان الأدوات الجديدة في تسيير شؤون الدين

ويفضل أن يكون قد نال الدراسات العليا من جامعات معتمدة في ذلك التخصص، ليكون لديه بدائل مقنعة عند الإفتاء في أمور متعلقة بقضايا خطيرة.

وخلصت جلسات المؤتمر أساسا إلى أنه لا نهاية للتطرف والإرهاب وسفك الدماء، قبل وضع حد للفتاوى المتشددة التي تصدر عن شخصيات ليست ذي صفة، تستخدم الفتاوى لتحقيق أهداف مشبوهة، على أن تتحمل وسائل الإعلام مسؤولياتها بعدم نشر أي فتاوى، إلا إذا كانت ذات مرجعية وأصحابها متخصصون في الفتاوى، ولديهم صلاحيات كاملة للبت في أمور دينية بحتة.

وقد تنوع العلماء في المؤتمر على أساس جغرافي، حيث حضر ممثلون من أندونيسيا، وماليزيا، وباكستان، والهند، والأردن، وفلسطين، والسعودية، والمغرب، والجزائر، وموريتانيا، ولبنان، والعراق، وسلطنة عمان، والإمارات، وروسيا، وكازاخستان.

ووفق معايير التخصص، فقد حضر مفتون رسميون، وممثلون من أعضاء هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وأعضاء المجامع الفقهية، وأساتذة الشريعة والفقه والأصول، في عدد من الدول العربية والإسلامية.
13