القاهرة تستنجد بالنموذج الإماراتي في إدارة المناطق الصناعية

خطط حكومية لربط المناطق الصناعية بمنظومة رقمية موحدة لإدارة المخلفات الصناعية داخل المجمعات.
الاثنين 2019/10/14
البحث عن مسار البناء

حولت الحكومة المصرية أنظارها إلى التجربة الإماراتية في إدارة وتنمية أعمال المناطق الصناعية، في تحرك يهدف إلى الخروج من نفق البيروقراطية العميقة، التي تعاني منها معظم قطاعات الاقتصاد وتقوض فرص نمو المشاريع رغم المحفزات الحكومية لجذب الاستثمارات.

القاهرة – وقعت هيئة التنمية الصناعية المصرية أخيرا اتفاق تعاون مع شركة التنمية الصناعية المملوكة للهيئة العامة للتنمية الصناعية ومؤسسة الإمارات لإدارة المشروعات الصناعية واللوجستية.

وبموجب الاتفاق تقوم الشركة الإماراتية بإدارة المناطق والمجمعات الصناعية المصرية بهدف تكامل أنشطتها الخدمية واللوجستية وتعزيز استدامتها، فضلا عن تدشين منظومة متكاملة لتدوير المخلفات الصناعية.

وتستهدف القاهرة من خلال الاتفاق تطوير أداء المناطق الصناعية المتخصصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي تحتاج إلى رعاية خاصة وديناميكية في أداء الإدارة الحكومية، بعيدا عن البيروقراطية.

مجدي غازي: نموذج الإمارات يعزز خطط التوسع في الأنشطة الصناعية
مجدي غازي: نموذج الإمارات يعزز خطط التوسع في الأنشطة الصناعية

وتخطط الحكومة لتأسيس 22 منطقة صناعية متخصصة كحاضنات أعمال للمساهمة في النشاط الاقتصادي بشكل أكثر فاعلية.

وقال مجدي غازي، رئيس هيئة التنمية الصناعية، لـ”العرب” إن “النموذج الإماراتي متفرد في منطقة الشرق الأوسط في إدارة المشروعات والمجمعات والمناطق الصناعية، ما يعزز الخطط الرامية للتوسع في هذه الأنشطة”.

وتأتي الخطوة المصرية متزامنة مع إعلان المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) عن مؤشر التنافسية، حيث حلّت الإمارات في المرتبة الأولى عربيا، وفي المركز الـ25 عالميا ضمن قائمة تضم 141 دولة.

ودشنت القاهرة مدنا صناعية متخصصة، لكنها تعاني بيروقراطية الإدارة، ومن أهم هذه المدن دمياط لصناعة الأثاث على البحر المتوسط، ومنطقة صناعية للبلاستيك في مرغم بالإسكندرية، وثالثة في مدينة أطفيح بمحافظة الجيزة لصناعة مواد البناء، ورابعة للمنسوجات في محافظة المنيا، إضافة إلى مدينة للجلود في منطقة الروبيكي بالقاهرة.

وقال مقربون من تفاصيل الاتفاق إنه يمتد ليشمل إنشاء وتطوير وإدارة وتشغيل وصيانة واستغلال وتنمية المناطق الصناعية وتسويقها، وتوفير الأنشطة الخدمية المطلوبة في المناطق الصناعية، إلى جانب تقديم خدمات الاعتماد والفحص والتقييم والمتابعة للمنشآت الصناعية والخدمات اللوجستية والدراسات الفنية ذات الصلة بالأنشطة الصناعية.

وتحتاج مصر إلى التجربة الإماراتية لاختصار إجراءات التراخيص وحل المشكلات التي تضع القاهرة في مركز متأخر في تقرير مناخ الأعمال كل عام، حيث حلت العام الماضي في المركز 128 ضمن قائمة تضم 190 دولة. ومنح التقرير القاهرة تصنيفا سيئا في بند تسجيل الملكية، وحصلت على سبع درجات من 30 درجة في مؤشر جودة إدارة الأراضي بجانب إجراءات التسجيل والتي تصل إلى نحو 75 يوما.

وتؤكد هذه المؤشرات الحاجة الماسة إلى مواجهة حلقات البيروقراطية عبر رقمنة الخدمات المقدمة للمستثمرين بالكامل، وعدم قصرها على تأسيس الشركات فقط، كما هو معمول به حاليا، وتجربة الإمارات في المنطقة في هذا المجال يشار إليها بالبنان.

المجمعات الصناعية لا تملك نظاما تكنولوجيا يربط المنطقة الصناعية الواحدة ببعضها البعض
المجمعات الصناعية لا تملك نظاما تكنولوجيا يربط المنطقة الصناعية الواحدة ببعضها البعض

ويشمل نطاق التجربة في المرحلة الأولى المناطق الصناعية في مدن بدر في شرق القاهرة والسادات في نطاق محافظة المنوفية، ومرغم في الاسكندرية، وبورسعيد على ساحل البحر المتوسط، ثم التوسع ليشمل باقي المناطق الصناعية.

وقال علاء السقطي، عضو مجلس إدارة جمعية مستثمري بدر، إن “الإمارات سبقتنا في إدارة المناطق الصناعية من خلال نظم حديثة غيرت وجهة الخريطة الصناعية في المنطقة”.

وأوضح لـ”العرب” أن إدارة تلك المناطق ليست يسيرة، من حيث ضرورة توفير الخدمات واللوجستيات وشراء الخامات المجمعة وتجميع المخلفات وإعادة تدويرها.

وتطبق الإمارات نظام وفورات الشراء الكبير، عبر شراء الخامات للمجمع الصناعي الواحد بكميات كبيرة، ومن خلاله تستطيع التفاوض للحصول على سعر تنافسي للخامات، الأمر الذي يعزز من تنافسية المنتجات في الأسواق داخليا وخارجيا.

وتناسب هذه الطريقة المشروعات الصغيرة وتعزز نموها، لأنها لا تقوى على شراء الخامات بسعر تنافسي منفردة.

وتعمل المصانع داخل المناطق الصناعية في مصر بشكل منعزل، ما يضعف قدرتها التنافسية، ومتوقع أن يعزز وضع التكامل الجديد في التجربة الإماراتية من تنافسية الصناعة المصرية.

نادر عبدالهادي: نعاني غياب التسويق ونحتاج للتحول إلى الاقتصاد الأخضر
نادر عبدالهادي: نعاني غياب التسويق ونحتاج للتحول إلى الاقتصاد الأخضر

ويترتب على الوضع الحالي إهدار المصانع لكنوز المخلفات، وأصبحت عبئا على البيئة والاقتصاد معا، لكن الاتفاق المصري الإماراتي يضفي بعدا جديدا في تداول المخلفات الصلبة عبر منظومة تحقق عوائد للمصانع وتحسن أوضاع البيئة من خلال عمليات إعادة التدوير.

وقطعت الإمارات شوطا كبيرا في معالجة المخلفات الصلبة، ودشنت إمارة الشارقة مركزا لفرز النفايات وإعادة تدويرها ضمن أكبر خمسة مراكز على مستوى العالم، بهدف الاستفادة من الثروات التي تحملها النفايات. وتتصدر مصر المركز الأول عربيا في حجم النفايات والمركز 19 عالميا، تليها السعودية في المركز الثاني عربيا والـ25 عالميا، ثم الإمارات الثالث عربيا والـ52 دوليا.

وقدر البنك الدولي حجم خسائر مصر نتيجة عدم تدوير المخلفات والاستفادة منها بنحو 5.7 مليار دولار، وتعادل نحو 1.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 380 مليار دولار.

وقال نادر عبدالهادي، رئيس جمعية تحديث الصناعة بمنطقة مرغم بالإسكندرية، والتي ستديرها الإمارات، إن إدارة المناطق الصناعية في مصر تعاني مشكلات عديدة، أهمها غياب تسويق منتجات المشروعات الصغيرة.

وأضاف لـ”العرب” أن “المصانع المصرية في حاجة للتحول إلى الاقتصاد الأخضر والإنتاج النظيف، لتخفيض تكاليف الإنتاج وتقليل الأضرار على صحة العاملين، ويحتاج ذلك سيولة ضخمة بالنسبة إلى هذه المصانع”.

وتصل تكلفة تحول المصنع الصغير للعمل وفق آليات الاقتصاد الأخضر والاعتماد بشكل كبير على الكهرباء النظيفة من الطاقة الشمسية إلى نحو 100 ألف دولار، وهي تكلفة تفوق قدرات المشروعات الصغيرة.

ويشمل نطاق الاتفاق المصري الإماراتي تطبيق منظومة متكاملة لإدارة المخلفات الصناعية داخل المجمعات من خلال تبادلها بين الوحدات كونها مستلزمات إنتاج، وتبسيط آليات الإنتاج الأنظف للأنشطة والعمليات الصناعية داخل المجمع للحد من هالك الإنتاج واستهلاكات المياه.

وحتى الآن لا توجد لدى المجمعات الصناعية في مصر، آلية جيدة لجمع نفايات عمليات التصنيع، ما يمثل عائقا كبيرا في استئناف الإنتاج بالمصانع، فضلا عن غياب نظام تكنولوجي يربط المنطقة الصناعية الواحدة ببعضها البعض.

ويتجاوز عدد المناطق الصناعية بالبلاد نحو 121 منطقة صناعية، وتعاني جميعها من مشكلات لا حصر لها، وباتت عقبة أمام المناخ العام للاستثمار.

ويعد نقص المعلومات تحديا يواجه تلك المناطق، ورغم إطلاق خارطة استثمارية صناعية موحدة، إلا أنها لم تتغلب على تلك المشكلة، ومن ثم تحتاج إلى نظم ربط المناطق الصناعية لتحقيق التكامل فيما بينها.

ويفتح هذا التكامل آفاقا جديدة للتعاون بين المصانع في جميع أرجاء البلاد، ويحقق مكاسب لكل الأطراف، بدلا من عشوائية الإنتاج واستيراد خامات للتصنيع قد تكون متوافرة بالقاهرة، إلا أن عدم وجود بنك للمعلومات الصناعية يكبد الجميع عبئا يمكن تجنبه.

10