القاهرة تستنجد بالنموذج الفرنسي لتطوير أسواقها الداخلية

اتفاق ثلاثي بين الحكومة المصرية والوكالة الفرنسية ومجموعة سيماريس لهيكلة التجارة الداخلية.
الثلاثاء 2020/06/23
القطع مع نمط التجارة القديم أمر ملح

دفع ترهل منظومة التجارة الداخلية في مصر الذي فاقم معاناة المستهلكين وتسبب في تغول المحتكرين الحكومة للاستعانة بالتجربة الفرنسية من أجل إصلاحها، وبناء نظام محكم يعزز آليات العرض والطلب، ويجذب استثمارات أجنبية، لسوق قوّته تتجاوز مئة مليون نسمة.

القاهرة - تسعى القاهرة لاستنساخ التجربة الفرنسية لإصلاح منظومة تجارتها الداخلية، حيث اتفق مجلس الوزراء مؤخرا مع مجموعة سيماريس الفرنسية والوكالة الفرنسية للتنمية لتقديم المساعدة الفنية لتطوير أسواق الجملة في قطاع المواد الغذائية.

وتأمل الحكومة عبر هذه الخطوة مواجهة الاحتكار الذي سيطر على سلاسل التوزيع وتسبب في موجات تضخم غير حقيقية للمنتجات، وكشف عن عدم اتساق سياسات خفض معدلات التضخم مع وتيرة الارتفاعات في الأسعار.

وتراجعت معدلات التضخم من مستويات 33.4 في المئة عام 2017 إلى مستويات 5 في المئة الشهر الماضي، إلا أن غياب آليات السوق جعل المستهلكين لا يشعرون بهذا التحسن وآثاره على وتيرة ارتفاعات الأسعار.

أشرف حسني: التجربة الفرنسية تحاصر المحتكرين وتضمن جودة المنتجات
أشرف حسني: التجربة الفرنسية تحاصر المحتكرين وتضمن جودة المنتجات

ويكشف هذا الأمر عن عدم كفاءة إدارة منظومة التجارة الداخلية مما زاد حلقات تداول السلع، وأصّل لوضع احتكاري في المناطق المحرومة نتيجة عدم وصول الإمدادات اللوجستية إليها.

وتعزز الخطوة من خطط القاهرة الرامية لتأسيس أول بورصة سلعية نهاية 2020، والتي لن ترى النور دون منظومة لوجستية متكاملة تضمن إتاحة المعلومات حول حركة السلع في الأسواق بشكل لحظي، يضمن شفافية عمل بورصة السلع، فضلا عن أنها تعزيز لآليات العرض والطلب والتي تضمن مستويات سعرية تعكس المستويات الحقيقية للمنتجات.

ويشمل الاتفاق برنامجا للمساعدة الفنية لتطوير تجارة الجملة بأسواق المواد الغذائية لتحسين طرق الإمداد الغذائي، والتأكد من جودته، وتعظيم الاستفادة من المنتجات الغذائية والخدمات اللوجستية، بما يسهم في تقليل فاقد نقل السلع الغذائية.

ودفع الارتفاع الكبير في زيادة كميات الفاقد خلال عمليات نقل السلع الغذائية عبر سلاسل التوزيع، منظمة الأغذية والزراعة (فاو) لتحذير القاهرة من الظاهرة التي تخل بآليات السوق وتقلل عرض السلع في الأسواق، مما يرفع الأسعار بشكل متواصل.

وقالت فاو إن فاقد وهدر الخضروات والفاكهة يتراوح في مصر سنويا بين 45 في المئة و55 في المئة من حجم الإنتاج سنويا.

وأظهرت البيانات الأساسية للفاو أن نسبة الفاقد في محصول العنب تتجاوز 45 في المئة وتزيد النسبة لأكثر من 50 في المئة في الطماطم، خلال سلسلة القيمة بدءا من الإنتاج ومرورا بأسواق الجملة، والتجزئة، إلى جانب خسارة كبيرة على مستوى جودة المنتج.

وتتراوح نسبة خسائر القمح في صوامع التخزين التقليدي بين 10 في المئة و20 في المئة مع خسائر إضافية على طول سلسلة القيمة وحتى تصنيع الخبز.

وتعد فاكهة مثل الرمان دليلا دامغا على سوء تنظيم تداول السلع الغذائية بمصر، حيث يتم زراعتها في منفلوط بمحافظة أسيوط، ويتم بيعها بسوق العبور بمحافظة القليوبية، التي تقع في دلتا البلاد وعلى بعد 400 كيلومتر من منفلوط.

وإذا أراد تاجر في محافظة المنيا المجاورة لأسيوط شراء المحصول، عليه الحضور لسوق العبور في القليوبية، ثم العودة مجددا إلى المنيا لبيعه في أسواق التجزئة، الأمر الذي يعكس مدى ترهل قطاع التجارة الداخلية وسوء تنظيمها.

وتستهدف وزارة التموين والتجارة الداخلية بوصفها المسؤولة عن أسواق الجملة والتجزئة خفض تكاليف نقل المنتجات بنحو 30 بالمئة من خلال نظام متطور للوجستيات، وتضييق حلقات تداول السلع.

وتخطط القاهرة لتدشين 60 منطقة لوجستية بحلول عام 2030 ما يجعل من مصر منطقة استثمارات مفتوحة أمام الاستثمارات الأجنبية، لاقتناص هذه الفرص.

تحسين التجارة الداخلية
تحسين التجارة الداخلية

وقال أحمد الوكيل، رئيس الغرفة التجارية بالإسكندرية، إن “أسواق الجملة في مصر، بحاجة ماسة إلى التطوير، فيما قامت الغرفة بجولة في فرنسا قبل جائحة كورونا، لدراسة كيفية إدارة أسواق الجملة”.

وأوضح لـ”العرب” أن أسواق الجملة المصرية، تعاني زيادة الفاقد والتالف في المنتجات والمحاصيل بشكل كبير جدا، ومن ثم فإن مردود التطوير المرتقب على السعر أكثر إيجابية لحلقات
التداول سواء للتاجر أو المستهلك.وتحتاج القاهرة إلى استثمارات كبيرة في قطاع تجارة الجملة والتجزئة، تزامنا مع الفورة الكبيرة في الزيادة السكانية، والتي تجاوزت حاجز 100 مليون نسمة، بخلاف 10 ملايين مصري مقيم في الخارج.

وترمي خطط التطوير إلى وصول عدد منافذ بيع السلع التابعة لسلاسل الجملة الكبيرة لنحو 1895 منفذا خلال السنوات العشر المقبلة.

ودفعت تلك المخططات الشركات العالمية لدخول سباق المنافسة وضخ استثمارات في قطاع التجارة الداخلية، وتستهدف شركة “لولو” الهندية افتتاح أربعة مراكز تسويق لها في مصر العام المقبل باستثمارات تصل لنحو 500 مليون دولار.

وكشف مجلس الوزراء عن زيادة الاستثمارات في قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 283 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية، من مستوى 530 مليون دولار إلى نحو ملياري دولار.

أحمد الوكيل: تطوير التجارة الداخلية سيضبط حلقات التداول والأسعار
أحمد الوكيل: تطوير التجارة الداخلية سيضبط حلقات التداول والأسعار

وقال أشرف حسني، عضو شعبة الصناعات الغذائية بالغرفة التجارية للقاهرة، إن “أسواق الجملة في مصر تعاني الترهل، فالمطلب الرئيسي لجميع التجار تقليل حلقات التداول عند نقل السلع، لتخفيض الفاقد والتالف من السلع وترشيد التكاليف”.

وأضاف لـ”العرب” أن “هوامش أسواق الجملة ضئيلة لكن زيادة سلاسل توصيلها للمستهلك متعددة، ما يزيد مستويات الأسعار، ويتيح هذا التعدد من فرص الممارسات الاحتكارية”.

ويرى أن التجربة الفرنسية لتطوير أسواق الجملة، تحقق هدفين، الأول نقل تجربة جديدة يمكن أن تستفيد منها مصر، والثاني ضخ استثمارات جديدة تكسر حلقات سلال القيمة المتعددة.

وتعج مصر بمنافذ عرض للسلع الغذائية بشكل كبير إلا أن خلل المنظومة جعلها لا تستجيب لآليات العرض والطلب، ومن ثم زيادة الأسعار.

ويفتح ترهل قطاع التجارة الداخلية فرصا مرتقبة للمستثمرين المصريين أو الأجانب، فيما تصل نسبة مساهمة القطاع في جملة الاستثمارات المحلية المنفذة إلى نحو 83.3 في المئة، إلى جانب ارتفاع مساهمته بنحو 13.5 في المائة في الناتج المحلى الإجمالي.

وعبر التجربة الفرنسية سيتم تطوير المنافذ وربطها وفق منظومة إلكترونية تضمن توافر السلع وبأسعار حقيقية خالية من تأثيرات الممارسات الاحتكارية وتحمي المستهلك من عمليات الغش عبر تتبع المنتجات داخل نظام مغلق يحكم قبضته على السوق.

وتضمن التجربة أيضا سلامة عمليات التداول من ناحية النقل أو التعبئة بأساليب ونظم صحية كما تضمن احتفاظ المنتجات بجودتها وتقلل معدلات الفاقد مما يعزز تنافسية السوق، وتعيد آليات العرض والطلب التي تضمن أسعارا عادلة للمنتجات.

10