القاهرة تستنفر لمواجهة محاولات وضع أنقرة يدها على غزة

تحاول تركيا بشتى السبل تعزيز نفوذها في المنطقة العربية، ومن بين الأوراق التي تعمل عليها الملف الفلسطيني وقطاع غزة أساسا الذي تسيطر عليه حليفتها حماس، وقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث خاصة من الجانب الإسرائيلي أن أنقرة عادت لطرح ملف المشاركة في إدارة القطاع، وهذا أمر تعتبره مصر خطا أحمر، باعتباره يمس أمنها القومي.
الأربعاء 2015/12/30
لا يريدون أن "يتركونا" ياريس!

القاهرة- أكد مصدر دبلوماسي لـ”العرب” أن مصر لن تقبل بأي نفوذ لتركيا في قطاع غزة المتاخم لحدودها الشرقية، وأن القاهرة بعثت برسالة إلى إسرائيل طلبت فيها عدم السماح بوجود أي سلطة للأتراك في القطاع.

وكانت تسريبات إسرائيلية قد ذكرت أن أنقرة طلبت من تل أبيب طريقا مباشرا إلى غزة بذريعة نقل المساعدات الإنسانية إلى القطاع، فيما طالبتها الأخيرة بطرد قادة حماس من تركيا، ومنع أنشطتها على أراضيها في إطار صفقة بين الجانبين.

وأشار المصدر المصري لـ”العرب” إلى أن مسؤولين إسرائيليين أكدوا للقاهرة عدم السماح لتركيا بالتأثير على مجريات الأمور في غزة. وكشف أحمد فؤاد أنور الخبير في الدراسات العبرية، أن ما يربط بين إسرائيل وتركيا هو الضغط على مصر، ومحاولة إرباكها سياسيا.

فالأولى تسعى لإحداث قطيعة بين القاهرة والقضية الفلسطينية، والثانية، تريد أن تكون قريبة من مصر لزيادة وتيرة المضايقات، وهي في ذلك تلقى دعما من دول أخرى تتحفظ على النهج المصري في بعض الملفات الإقليمية. وأردف فؤاد قائلا: قد تكون تركيا تريد الضغط على مصر لفتح معبر رفح، لكن الأهم بالنسبة لها أن تكون راعية وحيدة للقضية الفلسطينية.

وقال المصدر الديبلوماسي لـ”العرب” لا أحد من الفلسطينيين يقبل أن تكون هناك مشاركة أجنبية لإدارة القطاع، سوى حماس، لأنها المستفيد الوحيد من الإدارة المزعومة.

تسريبات إسرائيلية قد ذكرت أن أنقرة طلبت من تل أبيب طريقا مباشرا إلى غزة بذريعة نقل المساعدات الإنسانية إلى القطاع

ولفت المصدر إلى إن هذا المطلب، إذا تحقق، يعني وضع القطاع في جيب تركيا سياسيا، ويعزز انفصاله عن السلطة الفلسطينية. وأضاف أن تركيا تسعى لتقديم نموذج آخر، يقترب من النموذج القطري، حيث تدير الدوحة القطاع من خلال مشاريعها الاقتصادية، ملمحا إلى أن الجانبين (أنقرة والدوحة) يريدان تصدير القلق إلى مصر، والضغط عليها لفتح معبر رفح، بلا ضابط أو رابط، ليتسلل منه الإرهابيون.

وقال حازم أبوشنب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح لـ”العرب” إن ما طرحته الصحافة الإسرائيلية من أخبار حول مشاركة تركية في إدارة قطاع غزة، خيار غير مقبول فلسطينيا.

ونوه إلى أن الدور الذي يلعبه أي طرف من أجل المصالح الفلسطينية يجب أن يمر عبر جامعة الدول العربية، وما يتعلق بفكرة إدارة جزء من الأراضي الفلسطينية أو حتى المشاركة فيها لن يقبل بها.

من جهته، قال اللواء طلعت موسى الخبير الأمني لـ”العرب” إن إسرائيل بحكم القانون الدولي (كجهة احتلال) مسؤولة عن إدارة قطاع غزة أمام المجتمع الدولي. وأوضح أن تحقيق المشروع التركي يمثل تهديدا كبيرا للأمن القومي المصري، وهو أمر ترفضه القاهرة ولن تصمت عليه.

وأشار سمير غطاس مدير مركز مقدسي للدراسات، أن هذا المشروع له جذور قديمة، حيث يعود لما بعد الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014 عندما عرضت تركيا المشاركة في إدارة القطاع، ووصل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير إلى مرحلة متقدمة في مناقشته، وصرح خالد مشعل للإعلام أنه على بعد أمتار من صفقة شاملة مع إسرائيل، ثم نوهت قيادات تركية للمشاركة في إدارة غزة.

وأوضح غطاس لـ”العرب” أن المشروع أثير في مؤتمر باريس لإعمار غزة بعد الحرب، في حضور قطر وتركيا، واستبعدت مصر والسلطة الفلسطينية منه، وهو ما أحدث أزمة يومها بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس وفرنسا.

أنقرة بمساعدة الدوحة وبعض العواصم الغربية تستهدف المشاركة في إدارة القطاع، بعد أن أصبح شبه مستقل عن السلطة الفلسطينية

ويرى أن الموضوع ما زال مطروحا، حيث تستهدف أنقرة تثبيت حكم حماس في غزة، وفصلها نهائيا عن الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية، وإقامة إمارة إسلامية في القطاع والاستثمار في تلك المنطقة، ما يشكل تهديدا خطيرا لمصر، ويطوقها بإمارة إخوانية.

ولفت إلى أن ذلك يقضى على أي فرص للمصالحة الوطنية الفلسطينية، أو إعادة الوحدة بين الضفة والقطاع. وفي تقدير غطاس المتخصص في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية أن من أفشل المشروع من قبل ويتحفظ عليه الآن هي إسرائيل، التي لا تريد في حقيقة الأمر وجودا تركيا في غزة، سواء مشرفا أو مشاركا في إدارة القطاع، فليس من مصلحة تل أبيب مشاركة أحد لها في إدارة المعابر، بينما تديرها بمفردها، وتحاصر القطاع.

وفي نظر بعض المراقبين، تعتبر إسرائيل الوجود التركي في غزة تهديدا لأمنها القومي، رغم كل الإغراءات التي يمكن أن تقدمها أنقرة لتل أبيب، من إبرام صفقات خاصة بمنظومات أسلحة حديثة إلى مكاسب اقتصادية عدة، ويمكن فقط أن تناور بالمشروع مؤقتا لأهداف سياسية، كما أنها تعلم جيدا طبيعة الارتباط التاريخي بين مصر والقطاع.

وقال علي جلال معوض الخبير في الشؤون التركية لـ”العرب” إن أنقرة بمساعدة الدوحة وبعض العواصم الغربية تستهدف المشاركة في إدارة القطاع، بعد أن أصبح شبه مستقل عن السلطة الفلسطينية، وتحاول تحقيق المشروع في إطار تعظيم دورها الإقليمي. لكن في المقابل، قال معوض إن الوجود التركي على الحدود مع إسرائيل ومصر، سوف يتسبب في مواجهة محتملة بين أنقرة والقاهرة.

2