القاهرة تسير عكس التيار وتجفف السيولة من الأسواق

السيطرة على التضخم ومواجهة حمى الشراء لا تناسبان الأزمات.
الخميس 2020/04/02
تقييد السحب يعمق الأزمة

دخلت القاهرة ساحة واسعة من الجدل بعد وضعها لعدد من القيود على سحب الأموال من البنوك، تشمل الأفراد والشركات، رغم تخمة الودائع في الجهاز المصرفي، وهو ما أثار ردود أفعال غاضبة في الشارع، حاول البنك المركزي امتصاصها عبر تقديم تفسيرات اقتصادية، والتأكيد على أنها إجراءات مؤقتة.

القاهرة - تسببت القيود في حالة من الذعر، وفاقمت من تكدس الأفراد أمام فروع البنوك والصرافات الآلية في الشوارع، في رد فعل عنيف يتنافى مع دعوات “خليك بالبيت” والتحذير من الزحام لمواجهة تفشي وباء كورونا.

وبدت الحكومة المصرية تسير عكس الاتجاه العالمي، وتتبنى خططا لتجفيف السيولة النقدية من الأسواق، في الوقت الذي هرعت فيه الدول لزيادة معدلات مواجهتها والتصدي للتحديات الناجمة عن تفشي فايروس كورونا الذي قيد حرية حركة الأفراد.

وتستهدف القاهرة من وراء خططها الانكماشية مواجهة الخلل الهيكلي الذي يلازم الاقتصاد، وفرضت قيودا على مسحوبات الأفراد النقدية من البنوك في حدود 653 دولارا يوميا، ونحو 3185 دولارا للشركات، ويتم السماح بزيادة هذا الحد للشركات، حال تقديم ما يفيد بأن المبالغ الزائدة لدفع رواتب الموظفين والعاملين بها.

وتسعى الحكومة من وراء حزمة التحركات الجديدة إلى حل المشكلات المزمنة، عبر السيطرة على معدلات التضخم عند حدوده الحالية، بعد أن انفرط زمامه عقب تحرير سعر الصرف عام 2016 حتى وصل إلى مستوى 33 في المئة خلال عام 2017.

علي عيسى: قرارات المركزي تقيد حركة الاستثمار وتزيد مشكلات الشركات
علي عيسى: قرارات المركزي تقيد حركة الاستثمار وتزيد مشكلات الشركات

وجاهدت القاهرة لسنوات للسيطرة على انفلات معدلات التضخم، وسجلت مستويات 4.9 في المئة خلال شهر فبراير الماضي، مقابل 13.9 في المئة لنفس الشهـر من عام 2019.

ولكن هذه الطموحات من الصعب تحقيقها في ظل حالة عدم اليقين وضبابية رؤية السيطرة قريبا على وباء كورونا الذي أصاب الأفراد في جميع أنحاء العالم بحمى شراء السلع الأساسية والطعام وتخزينها، وهو ما كشفت عنه أرفف عروض السلع في المتاجر.

وشهدت معدلات الأسعار ارتفاعات كبيرة خلال الأيام الماضية، تنذر بصعود جديد في معدلات التضخم، ما يبدد جهود تجفيف السيولة من أجل مواجهة تلك المشكلة.

ولعل قرار وزارة التجارة والصناعة المصرية بوقف تصدير البقوليات رسالة على منح السوق المحلية أولوية لتوفير الغذاء، حال استمرار الإجراءات الاحترازية على تقييد حركة الأفراد، وفرض حظر التجوال لفترة طويلة لتوفير الطعام لنحو 100 مليون مواطن.

وقرأ مواطنون هذه القرارات بالمزيد من التحوط وتخزين السلع الأساسية، ما يفاقم أوضاع الأسواق ويدفع التجار إلى مواصلة رفع الأسعار نتيجة تصاعد الطلب المصحوب بمخاوف من ندرة السلع.

ولا تتماشى خطط تجفيف السيولة في الأسواق مع حزمة إنقاذ الاقتصاد التي رصدتها الحكومة لمواجهة تداعيات كورونا والبالغة قيمتها 6 مليارات دولار.

ولاقت إجراءات تجفيف السيولة انتقادات لاذعة من جانب شرائح واسعة من المستثمرين، الأمر الذي حدا بجمعية رجال الأعمال المصريين إلى مخاطبة البنك المركزي رسميا لإعفاء الشركات من هذه الحدود.

وقال علي عيسى، رئيس الجمعية، في تصريحات لـ”العرب”، إن قرارات البنك المركزي تقيد حركة الاستثمار ولا تتماشى مع الظروف الطارئة التي تمر بها البلاد حاليا.

وأشار إلى أن هناك نسبة كبيرة من العمالة المؤقتة بالمصانع، ويطلق عليهم “عمال اليومية” ويتقاضون أجروهم نقدا في نهاية كل يوم، وتتصاعد نسبتهم في المزارع ولا يتعاملون مع البنوك.

ومن الصعوبة تدبير الأموال لدفع أجور هذه الفئات من البنوك في ظل الإجراءات الجديدة، حيث أن أجور العاملين المسموح بها في القرار تتعلق بالعمالة المعينة بصفة دائمة.

وهناك مصروفات نقدية تتحملها الشركات منها رسوم عبور الطرق، وهذه الرسوم عالية جدا في حالات شحن البضائع، بالتالي فإن وضع حد أقصى بشكل يومي لسحب السيولة النقدية للشركات من البنوك ردة اقتصادية لا تتسق مع تشجيع الاستثمار.

محمد يوسف: قيود سحب الأموال تتعارض مع دعوات ملازمة المنازل
محمد يوسف: قيود سحب الأموال تتعارض مع دعوات ملازمة المنازل

ودفعت هذه الإجراءات، التي وصفها البنك المركزي بأنها تستهدف تقليل التعامل بالعملات الورقية للحد من انتشار فايروس كورونا، إلى تزاحم الأفراد على فروع البنك بشكل غير مسبوق.

ورصدت “العرب” مظاهر هذا الزحام أمام ماكينات الصراف الآلي للبنوك في الشوارع، بسبب إجراءات تجفيف السيولة.

وقالت أمينة أحمد، وهي موظفة بأحد المصانع، “كنت أسحب 7 آلاف جنيه (445 دولارا) كل شهر من ماكينة الصراف الآلي لوالدتي دفعة واحدة، وأصبحت حاليا مضطرة إلى الذهاب مرتين لسحب نفس المبلغ.

وأضافت لـ”العرب” أن هذا المبلغ بالكاد يكفي لدفع فواتير الكهرباء والغاز وشراء الطعام وبعض الأدوية، كما أن الحكومة لم توفر قبل هذا القرار إمكانية دفع هذه المصروفات جميعها بالكارت الذكي الخاص بالبنك.

وأوضح محمد يوسف، المدير التنفيذي لجمعية رجال الأعمال المصريين، لـ”العرب” أن هذه الإجراءات تحتاج إلى مراجعة لأنها تتنافى مع حفز الاستثمار، وتتعارض مع دعوات “خليك بالبيت” التي أطلقتها الحكومة.

ويشير اقتصاديون لـ”العرب” إلى أن هذه القيود تبعث رسالة غير مطمئنة للمجتمع وتصيب الأفراد بالذعر وتفقدهم الثقة في التعامل مع البنوك في الوقت الذي تسعي فيه الحكومة لتعزيز مبادرات الشمول المالي ونشر الثقافة المصرفية.

ويدفع هذا الاتجاه شريحة كبيرة من الأفراد إلى الاحتفاظ بالأموال في البيوت خشية من تكرار السيناريو مجددا عند أي محك آخر.

وتستحوذ ودائع الأفراد التي يصل حجمها إلى نحو 160 مليار دولار على نحو 81.6 في المئة من إجمالي حجم الودائع في البنوك المصرية، فيما يصل حجم الأموال المتداولة خارج البنوك إلى نحو 35 مليار دولار.

ويقول اقتصاديون إن قيود البنك المركزي تستهدف تهدئة حدة سحب الودائع من البنوك، لكن في النهاية تعد عملية القيود على سحب الأموال غير منطقية.

وعلمت “العرب” من مقربين في الجهاز المصرفي المصري، أنه من المتوقع مراجعة هذا القرار خلال الأيام المقبلة، وقبل مضي أسبوعين، لأن أضراره قد تكون جسيمة في المستقبل.

10