القاهرة تطرق باب الديون الخضراء لتنويع قروضها الخارجية

مصر أول دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطرح سندات سيادية خضراء.
السبت 2020/10/24
مشاريع التدوير تعزز التنمية

طرقت الحكومة المصرية باب السندات الخضراء من أجل تنويع مصادر قروضها الخارجية وتمويل مشروعات البنية الأساسية في المدن الجديدة، إلى جانب مشروعات تحلية ومعالجة المياه، استعدادا لمواجهة تداعيات ملء سد النهضة، وظواهر التغير المناخي التي باتت القاهرة في مرماها.

القاهرة – تسعى مصر لتنويع مصادر اقتراضها من الخارج للحصول على سيولة نقدية لمواجهة أعبائها المالية، وطرقت باب السندات الخضراء كأول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطرح سندات سيادية حكومية وفق هذه الآلية، وجمعت في أول طرح نحو 750 مليون دولار.

وقالت وزارة المالية، إن أجل الديون الجديدة يصل إلى نحو خمسة سنوات بسعر عائد 5.25 في المئة، ما يضع مصر على خارطة التمويل المستدام.

وأكد محمد معيط وزير المالية، لـ”العرب”، أن الإصدار شهد إقبالا كبيرا من المستثمرين، حيث تجاوزت طلبات الشراء حجم الإصدار المعلن بنحو 7.4 مرة للشريحة المستهدفة التي ترغب مصر في تغطيتها والبالغة 500 مليون دولار.

محمد معيط: الإقبال دفعنا إلى رفع سقف الاقتراض من 500 إلى 750 مليون دولار
محمد معيط: الإقبال دفعنا إلى رفع سقف الاقتراض من 500 إلى 750 مليون دولار

وأضاف أن هذا الإقبال دفع القاهرة إلى قبول نحو 750 مليون دولار بسبب الإقبال الكبير على السندات من قبل مؤسسات مالية من أوروبا وأميركا وشرق آسيا والشرق الأوسط.

وتستهدف القاهرة من خلال القروض الخضراء تمويل النفقات المرتبطة بمشروعات صديقة للبيئة، وتحقيق خطة التنمية المستدامة في مجالات النقل النظيف، والطاقة المتجددة، والحد من التلوث والسيطرة عليه، والتكيف مع تغير المناخ ورفع كفاءة الطاقة.

وتشمل حزم المشروعات الإدارة المستدامة للمياه والصرف الصحي، على ضوء “رؤية مصر 2030” التي تعطي الأولوية لمشروعات الاستثمار الأخضر.

واستقرت الحكومة على توجيه 500 مليون دولار من حصيلة السندات الخضراء لتمويل مشروع القطار المعلق “مونوريل” الذي يربط شرق القاهرة بغربها من العاصمة الإدارية حتى مدينة السادس من أكتوبر، في جنوب غرب القاهرة، وعدد من محطات معالجة المياه.

وأوضحت وزارة البيئة أنه سيجري تحديد المشاريع الأخرى التي ستوجه لها باقي حصيلة القرض الأخضر البالغة 250 مليون دولار. وتستهدف مصر من الطرح تمويل محفظة مشروعاتها الخضراء والصديقة للبيئة والتي تصل قيمتها إلى 1.9 مليار دولار.

وتضع الحكومة مشروعات المياه أولوية قصوى، في ظل تهديدات الأمن المائي التي تفرضها التغيرات المناخية وسد النهضة الإثيوبي. ورصدت حزمة إنفاق استثماري تصل إلى نحو 8.5 مليار دولار حتى عام 2050 لإنشاء محطات لتحلية مياه البحر من أجل توفير مليون متر مكعب يوميا من المياه.

ويقدم البنك الدولي المساعدة الفنية لإعداد وإصدار التقارير السنوية المطلوبة عن أوجه استخدام حصيلة السندات الخضراء، والأثر التنموي والبيئي المتوقع للمشروعات المؤهلة.

ووافق البنك الدولي على قرض بنحو 200 مليون دولار لتحسين جودة الهواء بالقاهرة الكبرى، وتقليل الانبعاثات الكربونية، وتحسين إدارة المخلفات الصلبة، في إطار خطة مصر لدعم ما يسمى بـ”التعافي الأخضر”.

ويساعد البنك الدولي مصر أيضا في إعداد التقارير السنوية المطلوبة عن أوجه استخدام حصيلة السندات الخضراء، والأثر التنموي والبيئي المتوقع للمشروعات المؤهلة، بما يتوافق مع مبادئ تلك السندات وربطها بأسواق رأس المال الدولية.

وأشار إيهاب سعيد عضو مجلس إدارة البورصة المصرية، إلى أن السندات الخضراء التي توجه لمشروعات الطاقة النظيفة لا تمثل خطرا على الديون الخارجية، لأنها تمتاز بفائدة منخفضة وفترة سماح طويلة للسداد، بعكس السندات التقليدية التي تمثل عبئا على الديون.

القروض الخضراء حاجة ملحة
القروض الخضراء حاجة ملحة

ولفت لـ”العرب” إلى أن طرح مصر للسندات الخضراء في الأسواق العالمية، لا يسلم من تقلبات الاقتراض بالعملة الأجنبية، لكن المشكلة ليست مقلقة لأن الجنيه المصري مرتبط بالدولار الأميركي وطرح السندات الخضراء تم بالدولار، كما أن الاحتياطي النقدي الأجنبي في مصر بالدولار أيضا.

ووصل حجم الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي المصري في نهاية سبتمبر الماضي إلى نحو 38.4 مليار دولار.

وما يميز السندات الخضراء عن السندات التقليدية، أن الأولى تستهدف تمويل مشروعات وصناعات تتمتع بالنمو المستدام أو تحسين إنتاجية المشروعات القائمة، بعكس الثانية (التقليدية) التي تستخدم في سد عجز الموازنة العامة للدولة، وبالتالي يزداد عبئها على خزانة البلاد.

وكشفت وزارة التخطيط أن الخطة الاستثمارية لمصر خلال الموازنة الحالية تستهدف مشروعات خضراء بقيمة 2.3 مليار دولار، وتعادل 14 في المئة من إجمالي الاستثمارات العامة في خطة العام المالي الحالي.

ياسر عمارة: السندات الخضراء خطوة استباقية تجذب شرائح جديدة من الدائنين
ياسر عمارة: السندات الخضراء خطوة استباقية تجذب شرائح جديدة من الدائنين

ويصل عدد المشروعات الخضراء المدرجة في خطة العام المالي الحالي إلى نحو 691 مشروعا بتكلفة إجمالية قدرها 28.5 مليار دولار، ومن المزمع زيادتها إلى 30 في المئة في خطة العام المالي المقبل.

وتتفاوض مصر حاليا مع مستثمرين أجانب لإقامة مشروعات طاقة متجددة بقدرات إجمالية تبلغ 2 غيغاوات لتوليد الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية، كما تدرس رفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 60 في المئة من إجمالي القدرات المنتجة بحلول 2035، بدلا من نسبة 42 في المئة المخطط لها في إستراتيجية الطاقة الحالية.

قال المحلل الاقتصادي ياسر عمارة، إن إقبال مصر على إصدار سندات خضراء خطوة استباقية على الأسواق الناشئة، لاسيما بعد إدراجها في بورصة لندن. وأضاف لـ”العرب”، أن هذا النوع من السندات يشهد إقبالا من جانب المحافظ الاستثمارية والمؤسسات المالية العالمية، بالتالي فإن القاهرة استهدفت شريحة جديدة من الدائنين.

وأوضح أن الطرح الجديد يبلغ نحو 16 مستثمرا لأول مرة في إصدارات السندات المصرية بالدولار، في ظل تزايد التوجه العالمي لسوق السندات الخضراء. ومن المتوقع أن يصل حجم الاستثمار العالمي في المشروعات الخضراء إلى نحو 225 مليار دولار في نهاية عام 2020.

ورغم النوايا الطيبة للقروض الخضراء، إلا أنها لا تزال تمثل عبئا على معدلات الدين الخارجي للبلاد، والذي وصل إلى نحو 111.3 مليار دولار في نهاية مارس الماضي، وإن كانت أقل حدة، لأنها ترتبط بمشروعات تدر عائدا من خلاله تتم مواجهة أعباء أقساط القروض.

وتظل القاهرة تحت ضغوط الحاجة إلى توفير عملة أجنبية لسداد أقساط القروض الخضراء، بجانب أقساط الديون التقليدية بالعملة الأجنبية أيضا، ما يستلزم البحث عن موارد مستقرة لتدفقات العملة الأجنبية.

وتعد هذه الإشكالية نقطة الانطلاق لإستراتيجية القاهرة الرامية إلى خفض معدلات الدين العام للناتج المحلي والتي تصل حاليا إلى نحو 82.8 في المئة وفق الموازنة 2020 – 2021.

11