القاهرة تعد خطة لمواجهة استقطاب الجهاديين للأطفال

الاثنين 2015/02/16
مستقبل المجتمعات الإسلامية مهدد من خلال استهداف الحركات الإرهابية للأطفال

القاهرة- عمليات الاستقطاب والتجنيد التي تقوم بها الحركات المتشددة والإرهابية لم تقف عند البالغين والمعتقدين بطروحاتها حد التسليم الأعمى والانقياد لمخططاتها، بل تعدتها إلى الفئات الأقل عمرا والمتمثلة في صغار السن من الشباب والأطفال الذين لم يفقهوا بعد ما تدبّره لهم هذه التنظيمات.وإذا ما تشبع هذا الجيل من الصغار بأخلاقيات العنف والكراهية فستكون لهذا الأمر انعكاسات شديدة الوطأة على مستقبل المجتمعات الإسلامية.

تقرير دار الإفتاء المصرية جاء ليوضح خطورة مخططات هذه الجماعات على المدى الأبعد، حيث أن استراتيجياتها باتت تنذر بكوارث على المجتمعات المسلمة التي أصبح أطفالها في مرمى خطط التيارات الجهادية التي تريد زرع فكر الانتقام والإرهاب في عقول هؤلاء النشء ونفسياتهم.

فقد أصبح استخدام الأطفال في الصراعات السياسية والمسلحة أمرا لافتا للنظر، حيث شرعت بعض الجماعات المتشددة في توظيفهم، سواء لإحراج القوى المنافسة أو لتدريبهم على خوض المعارك منذ الصغر، وغرس أيديولوجية الانتقام في نفوسهم مبكرا.

والصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام مؤخرا، وظهر فيها طفل ينتمي إلى تنظيم داعش، يصوّب بندقيته إلى رأس أحد الرهائن في العراق، لم تكن بعيدة عن الصور التي جرى تناقلها من قبل، عن طريق جماعة الإخوان المسلمين في مصر لأطفال يحملون أكفانهم على أيديهم، وهي قريبة من صور سابقة راجت بعد رحيل الإخوان، أظهرت عشرات الأطفال وهم يشاركون في بعض التظاهرات كدروع بشرية، ويقذفون رجال الشرطة المصرية بالحجارة، في محاولة للإيحاء بالتشابه بين أقرانهم في فلسطين وقوات الاحتلال الإسرائيلي.

الأزهر لديه إدراك كامل بما يحدث في الريف المصري من احتواء للأطفال من قبل تيارات الإسلام السياسي

ظاهرة تجنيد الأطفال، دفعت دار الإفتاء المصرية أخيرا، إلى إصدار تقرير، وصلت نسخة منه لـ “العرب” أكدت فيه، أن هذه القضية إستراتيجية لترويض جيل قادم، يحمل أيديولوجية متطرفة، لضمان ديمومتها لسنوات، وربما لعقود قادمة، مشيرة إلى أن التنظيمات تبذل الجهود المضنية في سبيل ذلك، وتقوم بنشر الكثير من الصور ومقاطع فيديو لأطفال صغار يقاتلون في صفوفها ويطلقون النار على أشخاص أو يتدربون، وهم يحملون رشاشات، في أشرطتها الدعائية.


دور فكري


إبراهيم نجم مستشار مفتي مصر، قال “إننا نتعامل من منطلق أن دور المؤسسة الدينية فكري بالأساس، إضافة إلى أهمية الدور الأمني والتعامل مع الظاهرة على أرض الواقع”. وأضاف نجم في تصريحات خاصة لـ“العرب” قائلا: إن هذا التقرير موثّق ووضعناه أمام الرأي العام، ونحاول تحريك المياه الراكدة في اتجاه إيجابي، ونأمل أن يؤخذ هذا التقرير والتحذيرات التي انطوى عليها على محمل الجد، من قبل الهيئات الرسمية المصرية والعربية.

تقرير دار الإفتاء المصرية ركز على استخدام الأطفال في القتال من قبل الجماعات التكفيرية، التي تستخدم العنف بشكل واضح وصريح في العراق وسوريا، ولم يتحدث عن استخدام الأطفال سياسيا من خلال إشراكهم في التظاهرات السياسية لجلب التعاطف معهم، ومحاولة إبعاد الضربات الأمنية في بعض الأحيان.

وفي هذا السياق، قال نجم: التركيز كان على الجماعات التي انتهجت منهج العنف، وعلى التنظيمات الإرهابية، لافتا إلى أنهم في المؤسسة الدينية، يركزون على فكرة استخدام الأطفال من جانب تيارات الإسلام السياسي، التي تسيطر علي الأطفال في سنّ مبكرة، لا سيما في العديد من القرى المصرية الفقيرة، حيث تتوارى درجة الرقابة من جانب المؤسسات والهيئات الرسمية.

أما محمد مهنا مستشار شيخ الأزهر، فقال لـ“العرب”: إن تجنيد الأطفال أحد التحديات الحقيقية، لأنه على المستوى الفكري لا بد للناس أن يعرفوا أن هناك حقوقا للأطفال كفلها الإسلام، وأن هناك مسؤوليات على الأسرة حتى يبلغ الطفل السن القانونية، مؤكدا ضرورة أن تتحمل أي جماعة مسؤولية العمل خارج المنظومة الوطنية والمنظومة الدينية، التي يقوم عليها الأزهر، وأن هناك مسؤولية جنائية على من يخالف ذلك، مشيرا إلى أن هناك ترسانة من القوانين الدولية كفيلة للردع، وأنه على المستوى الدعوى والإعلامي لا بد من نشر الثقافة التي تبين حقوق الطفل في الإسلام، وعلى المستوى الاجتماعي لا بد من نشر المراكز الشبابية والثقافية، لأنه لو وجد هؤلاء الشباب الرعاية الكافية لكانت كفيلة بإبعادهم عن التشدد.

الأمر لا يقتصر فقط على جماعة الإخوان، فمعظم التنظيمات التكفيرية تستخدم الأطفال في صراعاتها مع الأنظمة

وأضاف مهنا: كل مؤسسة تقوم بدورها، والأزهر يقوم بدوره من خلال الندوات، التي ينتج عنها توصيات ويتم إعلامها للجهات المختصة، موضحا أن الأزهر لديه إدراك كامل بما يحدث في الريف المصري من احتواء للأطفال من قبل تيارات الإسلام السياسي، ومنهج الأزهر قائم على إدراك كل هذه المخاطر، متهما المجتمع الدولي بالتواطؤ مع الجماعات المتشددة، لأنه يعلم من أين أتى الفكر المتشدد، سواء عبر استخدام الدين في السياسة، أو من التيارات المتطرفة المعروف مصدرها، ومن أين كانت تموّل ولاتزل.


علامات استفهام


هناك علامات استفهام عديدة طرحها تقرير دار الإفتاء المصرية عن ظاهرة تجنيد الأطفال، منها هل يقتصر أسلوب المواجهة على الحلول الثقافية من خلال الإعلام والندوات والكتب، أم إن الحلول الأمنية لابد من وجودها جنب مع الحلول الثقافية؟

عبدالحميد خيرت نائب رئيس جهاز أمن الدولة السابق، أكد لـ “العرب” أن الأمر لا يقتصر فقط على جماعة الإخوان، لكن معظم التنظيمات التكفيرية أصبحت تستخدم الأطفال في صراعاتها مع الأنظمة، مستغربا موقف منظمات حقوق الإنسان الدولية التي لم تتعامل مع الموضوع بجدية.

وثمّن خيرت تقرير دار الإفتاء المصرية، معتبرا أنه خطوة مهمة لتوضيح الأمر للرأي العام، ولفت أنظار الناس إلى خطط الجماعات المتطرفة، وكيف تفكر، مؤكدا أن الأمن على دراية بكل خطط جماعات الإسلام السياسي لاحتواء الأطفال والتأثير عليهم واستقطابهم، مؤكدا أن هذا الأمر يمثل خطورة كبيرة على مستقبل الأمم والدول، مطالبا المؤسسة الدينية في مصر وفي كل العالم العربي، بالعمل على توحيد الجهود لمواجهة هذه الظاهرة، وتوعية الشباب، وتنقية الفكر الإسلامي من القصص والأساطير التي يستخدمها أصحاب الفكر المتطرف في تغذية روح العداء والكراهية تجاه المجتمع.

13