القاهرة تعيد رسم الخارطة الزراعية لمواجهة الفقر المائي

الحكومة المصرية تدشّن أول مشروع للزراعات المحمية لتأسيس مئة ألف بيت زجاجي لزراعة المحاصيل بهدف زيادة الإنتاجية وترشيد استهلاك مياه النيل.
الخميس 2018/03/15
محاصيل محرمة بسبب تكاليفها المائية

القاهرة - كشفت مصادر مطلعة لـ“العرب” أن الحكومة المصرية تسابق الزمن لوضع استراتيجية تعيد رسم الخارطة الزراعية في البلاد لمواجهة تداعيات انخفاض منسوب مياه النيل مع اقتراب إثيوبيا من الانتهاء من بناء سد النهضة.

وقالت المصادر إن وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي قدمت للحكومة قائمة بالمحاصيل الأكثر استهلاكا للمياه تمهيدا لإصدار قرار وزاري بمنع زراعتها، توفيرا للمياه.

وأكدت المصادر لـ“العرب” أن عددا من أصناف محصول الأرز تتصدر القائمة التي تشمل أيضا القصب والقمح والذرة والبرسيم. ورجحت أن يتم الاتفاق على زراعة أصناف محددة من كل محصول وتوزيع بذوره على المزارعين، ومنع زراعة أصناف الأرز عالية الاستهلاك للمياه.

شريف فياض: منع زراعة عدة أنواع من الأرز يضر بالتربة الزراعية ويعرض الدلتا للتصحر
شريف فياض: منع زراعة عدة أنواع من الأرز يضر بالتربة الزراعية ويعرض الدلتا للتصحر

وتقدر حصة مصر من مياه نهر النيل نحو 55.5 مليار متر مكعب، ويستهلك القطاع الزراعي نحو 47 مليار متر مكعب أي ما يعادل نحو 85 بالمئة منها.

وتوقعت دراسات كلية الزراعة بجامعة القاهرة أن تفقد مصر 17 بالمئة من أراضيها الزراعية حال اتجاه إثيوبيا لملء سد النهضة خلال ست سنوات، ونحو 51 بالمئة إذا تم تقليل فترة الملء إلى ثلاث سنوات.

وقال خالد بدوي وزير قطاع الأعمال العام لـ“العرب” إن الوزارة “أعدت خطة لتخفيض المساحات الزراعية من قصب السكر بنحو 50 بالمئة”.

وأوضح أن الخطة تركز على التوسع في زراعة البنجر (الشمندر) بهدف ترشيد استهلاك المياه، لأن فدان قصب السكر يستهلك ثلاثة أضعاف المياه المستخدمة في ري فدان البنجر.

وتتمّ زراعة 300 ألف فدان سنويا بقصب السكر، حيث يحتاج فدان القصب نحو 12 ألف متر مكعب سنويا من المياه، بينما تستهلك نفس المساحة للبنجر نحو أربعة آلاف متر مكعب.

وتصل الدورة الزراعية للقصب نحو 360 يوما، بينما تصل في البنجر نحو 200 يوم، ما يتيح زراعة الأراضي بأكثر من محصول في العام.

ودشنت القاهرة مؤخرا أول مشروع للزراعات المحمية لتأسيس مئة ألف بيت زجاجي لزراعة المحاصيل بهدف زيادة الإنتاجية وترشيد استهلاك مياه النيل، على مساحة 20 ألف فدان.

وتم افتتاح المرحلة الأولى منه بنحو 5 آلاف مزرعة محمية على مساحة ألف فدان، ويتوقع أن تحقق قدرة إنتاجية بنحو 1.5 مليون طن سنويا من أصناف الخضروات المختلفة، وهي تعادل إنتاجية أكثر من مئة ألف فدان من الزراعات المكشوفة.

وترشد تكنولوجيا المزارع المحمية استخدام المياه في عمليات الري بنسبة 90 بالمئة، ما يعزز من خطط القاهرة الرامية لترشيد استهلاك المياه خلال الفترة المقبلة.

وقال صفوت الحداد نائب وزير الزراعة لـ“العرب” إن “الخارطة الزراعية تشمل زراعة الأصناف الأقل استهلاكاً للمياه، والأقل أياما في دورة الإنتاج”.

وحذر خبراء من تقليل مساحات محصول الأرض بدعوى ترشيد استهلاك المياه، وأكد شريف فياض، الأستاذ بمركز بحوث الصحراء لـ“العرب” أن الأرز هو المحصول الوحيد الذي يغسل التربة الزراعية ويحميها من الأملاح ولولا زراعته لتعرضت منطقة الدلتا للتصحر.

الآفاق المقلقة لإمدادات المياه أجبرت الحكومة المصرية على مراجعات عاجلة للأنماط الزراعية لمواجهة مرحلة الفقر المائي المتوقعة، ومن المتوقع أن تتضمن الاستراتيجية الجديدة منع زراعة أصناف كثيفة الاستهلاك للمياه، رغم تضارب آراء الخبراء

ودعا إلى ضرورة البحث عن بدائل منها، ريّ المحاصيل في الأراضي الصحراوية، بمياه الآبار كما هو الحال في مشروع المليون ونصف المليون فدان الذي أطلقته الحكومة قبل عامين.

وأوضح مصطفى النجاري رئيس شعبة الأرز بالمجلس التصديري للحاصلات الزراعية، أن منع زراعة عدد من أصناف الأرز يفقد مصر أسواقا خارجية حيث تقدر صادراتها السنوية بنحو 800 ألف طن سنويا.

وأشار في تصريح لـ“العرب” إلى أن هناك دراسات عديدة أكدت براءة الأرز من تهمة استهلاك المياه، ولا بد من التفكير بمبدأ التكلفة والعائد في رسم الخارطة الزراعية.

وكلف عبدالمنعم البنا وزير الزراعة، مركز البحوث الزراعية بالقيام بحملات للتوعية بأساليب ترشيد المياه بجميع المحافظات والتركيز على القرى والمناطق النائية.

ودعا الباحثون بالمركز إلى ضرورة استنباط أصناف نباتية أكثر تحملاً للملوحة، وأخرى يمكن أن تتحمل الري بمياه البحر، وتتأقلم مع التغيرات المناخية المختلفة، وأكثر قدرة على مقاومة الأمراض والآفات.

وكشف سعيد خليل، الخبير بمركز البحوث الزراعية أنه تم استنباط أصناف جديدة من محصول الأرز بكلية الزراعة في جامعة الزقازيق بمحافظة الشرقية في دلتا مصر وأطلق عليها “عرابي 1” و“عرابي 2”.

وقال لـ“العرب” إن “هذين الصنفين أقل استهلاكا للمياه، إلا أن وزارة الزراعة لم تعترف بهما أو تسجلهما، رغم صلاحية زراعتهما في مناطق الدلتا والصحراء”.

وتتفاقم مشكلة ترشيد المياه في منطقة الدلتا حيث يقبل المزارعون على زراعة البرسيم لتربية حيواناتهم ويستهلك الفدان منه حوالي 4 آلاف متر مكعب من المياه.

ويصعب تطبيق نُظم الري الحديثة في تلك المنطقة بسبب تفتت الملكية الزراعية، ما يزيد تكلفة تأسيس شبكات حديثة للري بالتنقيط، بدلا من أساليب الري بالغمر المتبعة حالياً.

10