القاهرة تعيد سياسة نفخ فقاعة الاحتياطات النقدية بالاقتراض

الحكومة المصرية تسعى من خلال الاقتراض إلى كسب ثقة المؤسسات الدولية في قدرة اقتصادها على الوفاء بالتزاماته والتي تعد من الحلول السهلة التي تركن إليها.
الأربعاء 2020/05/13
مرحلة جديدة لإعادة ترتيب الحسابات

كثفت القاهرة من تحركاتها للحصول على قروض خارجية جديدة بهدف إعادة بناء الاحتياطات النقدية، التي تآكلت بفعل أزمة وباء كوفيد – 19، وهي محاولة يرى خبراء اقتصاد أنها إعادة محاكاة لسيناريو عام 2016، حيث حصلت الحكومة من خلاله على خطوط ائتمان من الأسواق الدولية وتمكنت من مضاعفة السيولة من العملة الصعبة في البنك المركزي.

القاهرة- تواصل الحكومة المصرية سياسات نفخ فقاعة الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية في البنك المركزي عبر التوسع في الاقتراض، أملا في بناء حائط صد لمواجهة تداعيات فايروس كورونا على اقتصادها.

وحذر اقتصاديون من اتباع سياسة البحث عن الحلول السريعة للمشكلات الاقتصادية من خلال الاقتراض، لأنها تزيد الأعباء على الأجيال المقبلة.

وحوّل الوباء البرنامج الثاني للقاهرة مع صندوق النقد الدولي من مساعدات فنية إلى مساندة مشمولة بدعم مالي قدره نحو 2.77 مليار دولار، تضاف إلى قرضها السابق البالغ 12 مليار دولار، ليصل إجمالي ما حصلت عليه منذ نوفمبر 2016 نحو 14.77 مليار دولار.

وجفف كورونا منابع الإيرادات الدولارية للبلاد، وفقد الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية للبلاد في ستة أسابيع نحو 8.5 مليار دولار، ما يعادل 18.7 في المئة من إجمالي الاحتياطي من النقد الأجنبي.

وطبقت القاهرة حظر التجوال الجزئي في منتصف مارس الماضي، وبلغ حجم الاحتياطي بعد التآكل في نهاية أبريل الماضي نحو 37 مليار دولار.

بسنت فهمي: على الحكومة البحث  عن حلول للتنمية بدلا من توسيع الاقتراض
بسنت فهمي: على الحكومة البحث  عن حلول للتنمية بدلا من توسيع الاقتراض

وتسعى القاهرة من خلال قرض الصندوق الجديد، وإن كان ضئيلا، كسب المزيد من ثقة المؤسسات الدولية في قدرة اقتصادها على الوفاء بالتزاماته، الأمر الذي يفضي إلى التوسع في الاقتراض الخارجي لبناء الاحتياطي مجددا.

ورغم أن مستويات احتياطي النقد الأجنبي عند مستوياته الحالية آمنا، حيث يغطي واردات البلاد من السلع غير البترولية لنحو ثمانية أشهر، إلا أن السياسة النقدية تميل إلى المزيد من التحوّط في ظل عدم اليقين، الذي ينتظر الاقتصاد العالمي، بغض النظر عن تكلفة الاقتراض.

وتصل واردات البلاد السلعية وفق آخر ميزان مدفوعات سنوي نحو 54.9 مليار دولار، بمتوسط شهري نحو 4.6 مليار دولار.

ولكن المشكلة لم تقف عند ذلك الحد فقط، بل قلصت أزمة الوباء الإيرادات السياحية المصرية، والتي تصل إلى نحو 12.6 مليار دولار، بمعدل شهري يدور حول مليار دولار، الأمر الذي يفاقم أوضاع الاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد بشكل كبير، للغذاء أو للمواد الخام اللازمة لعمليات التصنيع، في مواجهة صادرات تصل إلى نحو 16.9 مليار دولار.

وقالت عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، بسنت فهمي، لـ”العرب”، إن “مصر تواجه عجزا كبيرا في الميزان التجاري، نتيجة شحّ إيرادات العملة الأجنبية بعد الضربة الموجعة لقطاع السياحة، وتراجع تحويلات العاملين في الخارج، وتباطؤ إيرادات قناة السويس، في ظل الكساد العالمي”.

وتعدّ تحويلات المصريين العاملين أكبر مورد للبلاد من النقد الأجنبي، فيما سجلت خلال العام المالي الماضي نحو 25.1 مليار دولار، فضلا عن التداعيات الحالية لكوفيد – 19 وعودة نسبة من المصريين العاملين في دول الخليج.

وأكدت فهمي أن العجز في الميزان التجاري يترتب عليه بشكل مباشر استنزاف لاحتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، وبالتالي تلجأ الحكومة إلى صندوق النقد، لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لدعم مخزونها من العملة الصعبة والمساعدة في تخطي الأزمة الحالية.

ودعت النائب في البرلمان المصري، الحكومة للبحث عن أساليب من شأنها زيادة معدلات تشغيل مفاصل الاقتصاد بعيدا عن سياسة التوسع في الاقتراض الخارجي التي تزيد من معاناة الأجيال المقبلة.

ياسر عمارة: قرض صندوق النقد شهادة عبور مصر لسوق السندات الدولية
ياسر عمارة: قرض صندوق النقد شهادة عبور مصر لسوق السندات الدولية

وتعدّ سياسة الاقتراض من الحلول السهلة التي تركن إليها الحكومات، وتبدو تلك الخطوة في الحالة المصرية شهادة مرور إلى المؤسسات الدولية للحصول على قروض جديدة.

ويؤيد هذا الاتجاه الخبير الاقتصادي، ياسر عمارة، الذي قال لـ”العرب”، إن “الحكومة تسعى لمحاكاة سيناريو 2016 بعد أن حررت سعر صرف العملة، ولجأت إلى صندوق النقد لتتمكن من العبور إلى المقرضين في سوق السندات الدولية، في ظل صعوبات جذب الاستثمار الأجنبي المباشر”.

ويسير معدل الدين الخارجي للبلاد في منحنى تصاعدي، وسجل في نهاية ديسمبر الماضي نحو 112.6 مليار دولار بزيادة قيمتها 16 مليار دولار خلال العام الماضي، مقارنة بمستويات بلغت 96.6 مليار دولار بمقارنة سنوية.

ويطمئن البنك المركزي لهذه القروض، لأن 101.3 مليار دولار منها طويلة الأجل، فيما يبلغ حجم الديون قصيرة الأجل نحو 11.3 مليار دولار.

ولعل قبول الاستدانة بمستويات فائدة مرتفعة يزيد من وتيرة الاقتراض، حيث سجل الدين طويل الأجل نحو 98.3 مليار دولار في سبتمبر الماضي، ونحو 86.3 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2018، أما الدين قصير الأجل فقد بلغ نحو 11 مليار دولار في سبتمبر الماضي و10.3 مليار دولار في نهاية 2018.

ويتوزع هيكل الدين الخارجي على نحو 54.5 في المئة للحكومة، وتعادل 61.4 مليار دولار، وهو دين طويل الأجل بالكامل، وينقسم إلى قرابة 21 مليار دولار سندات، وأكثر من أربعين مليار دولار قروض.

وجاء المركزي في المرتبة الثانية بنحو 24.7 في المئة، برصيد 27.8 مليار دولار، منها نحو 24.6 مليار دولار ديون طويلة الأجل، وحوالي 3.2 مليار دولار ديون قصيرة الأجل.

ويتوزع الدين طويل الأجل على المركزي بأكثر من ستة مليارات دولار قروضا ونحو 17.2 مليار دولار عملات وودائع، و1.2 مليار دولار حقوق سحب خاصة من المؤسسات الدولية.

وعلى صعيد الدين قصير الأجل فإنه يتوزع على نحو 570.7 مليون دولار قروضا، ونحو 2.5 مليار دولار عملات وودائع.

تعدّ سياسة الاقتراض من الحلول السهلة التي تركن إليها الحكومات، وتبدو تلك الخطوة في الحالة المصرية شهادة مرور إلى المؤسسات الدولية للحصول على قروض جديدة

ويصل نصيب الفرد في مصر من إجمالي الدين الخارجي نحو 1126 دولار، وهذه الحصة مرشحة للصعود في ظل تسارع وتيرة الاقتراض.

وتحتاج القاهرة لمواجهة مشكلاتها الاقتصادية الاتجاه إلى توطين الصناعات، وإنتاج السلع الأساسية التي تستوردها من الخارج، خاصة في قطاع الغذاء، مع إيجاد حلول لمشكلات التصنيع وإحلال المواد الخام المحلية في الصناعة من أجل زيادة القيمة المضافة.

وفي خضم ذلك ثبتت وكالة موديز للتصنيف الائتماني تصنيفات العملات الأجنبية والمحلية طويلة الأجل للحكومة المصرية عند بي 2 مع الحفاظ على نظرة مستقبلية مستقرة.

ويقول خبراء الوكالة إن هذا التنصيف تعكس نقاط القوة والتحديات الائتمانية المستمرة في مصر، والتي لا تتوقع موديز تغييرها بشكل جوهري مقارنةً بالدول ذات التصنيف المماثل خلال الصدمة العالمية المنجرة عن
الوباء.

11