القاهرة تفرض "حالة الطوارئ" في أسواق الصرافة

الخميس 2016/08/11

تشبه الإجراءات القاسية التي أعلنها البنك المركزي المصري، فرض “حالة طوارئ” في أسواق صرف العملة الأجنبية، وهي يمكن أن تؤدي إلى المزيد من الانهيار في ثقة المستثمرين في مناخ الأعمال في البلاد.

لن تؤدي تلك الإجراءات في ظل الاختلالات الاقتصادية العميقة، سوى إلى تفاقم أزمة الدولار واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وغير الواقعي للجنيه وأسعاره في السوق السوداء.

معالجة أزمة الدولار وتداعياتها على أداء الاقتصاد المصري لا يمكن أن تتم “بالحديد والنار” والقمع بالقبضة الأمنية، في ظل وجود خلل هيكلي في الاقتصاد، عنوانه الأكبر هو واردات البلاد تصل إلى أربعة أضعاف الصادرات، وفي ظل تلاشي مصادر البلاد في العملات الأجنبية.

لا يمكن معالجة الأزمة العميقة والمزمنة من خلال إغلاق 48 شركة صرافة منذ بداية العام الحالي، 26 منها بشكل نهائي و22 شركة لفترات تتراوح بين 3 إلى 12 شهرا. والدليل هو أن سعر الدولار في السوق السوداء قفز أمس إلى حدود 13 جنيها، بعد تشديد الإجراءات، بدل الهبوط.

هكذا تتحدى السوق السوداء إقرار البرلمان قانونا لتشديد العقوبة على من يتعاملون بالعملات الأجنبية خارج القنوات الرسمية، والذي لن يؤدي سوى إلى مفاقمة الأزمة.

أسعار العملة في السوق السوداء، هي التي تعبر بشكل صريح وبلا مجاملات أو قرارات، عن واقع الاقتصاد والتوازنات المالية، ومن المستحيل أن تتمكن الإجراءات الحكومية من معالجتها وإجبار مكاتب الصرافة على التعامل بأسعار غير واقعة.

التعديلات الجديـدة تعطـي البنـك المركزي سلطة تعليق ترخيص أي شركة للصـرافة وفرض غـرامات تصـل إلى 565 ألـف دولار، بل وسجن المخالفين لمـدة تصل إلى 3 سنـوات.

الحكومة المصرية في وهم كبير، إذا كانت تعتقد أن ذلك سيجبر شركات الصرافة على بيع الدولار بخسارة كبيرة. في أفضل الأحوال ستتوقف عن شراء الدولار وبيعه، إذا لم تختف عن أنظار الحكومة للقيام بتلك الصفقات.

كل ما سيحدث هو أن التعاملات ستختفي من المكاتب الرسمية لتهرب إلى الباحات والشوارع الخلفية، إلا إذا أغرقت الحكومة الأسواق بالعشرات من مليارات الدولارات بالسعر الرسمي، بل والاستمرار في ذلك ما دام الخلل البنيوي في الاقتصاد قائما.

تلك المهمة مستحيلة ولا قبل للحكومة المصرية بها حتى لو حصلت على القروض، التي تحلم بها والبالغة 21 مليار دولار على مدى 3 سنوات، بينها 12 مليارا من صندوق النقد الدولي.

لا يوجد حل يمكن أن يأتي من خلال قرارات حكومية دون معالجة الخلل، ما دامت موارد البلاد من العملات الأجنبية لا تعادل سوى ربع ما تحتاجه لتمويل الواردات، في بلد يستورد معظم حاجاته الاستهلاكية.

لا تستطيع مصر إنعاش الاقتصاد وزيادة الصـادرات بقرارات حكـومية منفصلة عن الواقع، ولا يمكنها إنعاش صادرات لا تملك القدرة التنافسية في الأسواق الأجنبية، بل ولا يمكنها حتى حمايتها في الأسواق المحلية عن طريق فرض التعرفات الجمركية، لأن ذلك يفاقم الخلل الاقتصادي.

على العكس من ذلك، ينبغي على الحكومة عدم تشجيع المنتجات المصرية التي لا تملك قدرة تنافسية في الأسواق الخارجية بل وحتى في الأسواق المحلية، وينبغي أن يقتصر التشجيع على المنتجات التي تملك فعلا مزايا تنافسية.

لن تجدي الحملات ذات الشعارات السياسية مثل حملة “بكل فخر صنع في مصر” إذا لم تكن المنتجات تستمد الفخر من جودتها وقدرتها التنافسة، وقد فشلت في الماضي حملات مماثلة في مصر بل وفي بلدان كثيرة أخرى، بينها بلدان متقدمة مثل بريطانيا.

ينبغي أن تصحو الحكومة المصرية على أن المكابرة وتجاهل الاختلالات لن يجديا نفعا، وأن الشعارات والقرارات البوليسية لن تتمكن من معالجة المشكلة.

تقول الحكمة العالمية، إنك إذا كنت في حفرة، فعليك أولا أن تتوقف عن الحفر وتعميق الأزمة، أي أن على الحكومة المصـريـة أن تكـون صـريحة وتنظـر إلى الواقع، لتبدأ من نقطة واقعية، وينبغي أن تبـدأ بالتخلي عـن السعر الرسمي للجنيه، الذي لا يمكنها مواصلة الدفـاع عنـه إلى الأبـد.

ذلك المطلب نادى به مرارا الملياردير المصري نجيب ساويرس، الذي تواجه جهوده للاستثمار في مصر عقبات كبيرة، وبينها محاولاته دخول نشاط المصارف الاستثمارية، الذي يبـدو أن هنـاك حظرا غير معلن على دخول القطاع الخاص إليه.

يمكن القول إن الاقتصاد المصري الذي يحتاج إلى كل شيء تقريبا، يمكن أن يستقطب الكثير من الاستثمارات العالمية، بسبب السوق الكبير وفرص تحقيق الأرباح، وما على القاهرة سوى وضع قوانين صريحة وشفافة لطمأنتهم، وإيضاح ما لهم وما عليهم.

هناك تريليونات الدولارات من الأموال العالمية التي تبحث عن فرص للاستثمار، في ظل أسعار فائدة وصلت إلى مستويات سلبية في كتل اقتصادية كبيرة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان ودول كثيرة أخرى، أي أن المودعين يدفعون رسوما لإبقاء أموالهم في المصارف.

من الأمثلة المصرية الصارخة، إلغاء مشاريع بمليارات الدولارات في الطاقات المتجددة على مدى العامين الماضيين، بسبب إصرار القاهرة على أن يكون تحكيم النزاعات محليا، لأن المصارف العالمية رفضت تمويل المشاريع في ظل وجود ذلك الشرط.

كيف يمكن للمصارف العالمية ضمان قروضها إذا كانت القاهرة تصر على تحكيم المنازعات محليا، في بلد شهد عددا هائلا من النزاعات المثيرة للسخرية مع المستثمرين الأجانب.

هناك إجماع بين الأوساط الاقتصادية المحلية والأجنبية وبين المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد والبنك الدولي على أن السعر الرسمي للدولار البالغ 8.88 جنيه، غير واقعي، وأن الدفاع عنه يؤدي إلى استمرار نزيف احتياطات البنك المركزي من العملات الأجنبية، التي لا تكفي لتمويل الواردات سوى لأربعة أشهر.

حجر الزاوية، للنهوض من هذه الحفرة، هو تحرير سعر صرف الجنيه ليخضع للعرض والطلب مهما كان ذلك مؤلما على المدى القصير، وهي خطوة أولى في رحلة الإنصات للمستثمرين واعتماد الأسس العالمية لتحرير الاقتصاد من أجل كسب ثقتهم بمناخ الاستثمار وتبديد الخوف من ضياع الأموال التي يمكن أن يستثمروها في مصر.

العلاج الحاسم والسريع رغم آلامه الحادة، أفضل من استمرار المرض والألم إلى الأبد، ولا بد للحكومة أن تعترف بالقاع الذي وصل إليه الاقتصاد كي تنهض من جديد، بدل مواصلة الحلول الترقيعية التي لن تؤدي سوى إلى مفاقمة المشكلة.

بصيص الأمل الوحيد هو استسلام القاهرة لشروط صندوق النقد من أجل الحصول على القرض والالتزام بالإصلاحات التي يطلبها، رغم أنها محفوفة بمخاطر تفجر الاحتجاجات على خفض وإلغاء الدعم الحكومي وفرض ضرائب جديدة، علها تكون بداية جديدة من نقطة واقعية.

11