القاهرة تقايض الشركات بتوزيع الأراضي مقابل التصدير

دول العالم تلجأ إلى نظام المبادلة مع المصدرين بضوابط محسوبة بهدف زيادة تنافسية المنتجات التي تصدر من أرضها للأسواق الخارجية، وتطلق عليها برامج مساندة هروبا من كلمة "دعم".
الاثنين 2019/08/19
صادرات تنتظر تنفيذ الوعود الحكومية

كشف إعلان القاهرة حول مقايضة ديونها للمصدرين منحهم الأراضي عن أزمة سيولة تمر بها الحكومة، بعد أن تراكمت ديونها للمصدرين على مدى سنوات ووصلت إلى معدلات مرتفعة، تبدو عاجزة عن سدادها مرة واحدة.

القاهرة- لجأت الحكومة المصرية إلى نظام المبادلة مع المصدرين، بعد أن تفاقمت ديونها وباتت مدينة بنحو 500 مليون دولار، قيمة برامج المساندة التي تدفعها للشركات لتشجيعها على زيادة الصادرات للأسواق الخارجية.

وتلجأ الدول إلى هذه الآلية بضوابط محسوبة بهدف زيادة تنافسية المنتجات التي تصدر من أرضها للأسواق الخارجية، وتطلق عليها برامج مساندة هروبا من كلمة “دعم” لتفادي الوقوع تحت طائلة التشريعات الدولية التي تمنع الدعم الذي ينتهك المنافسة العادلة.

وقالت وزارة التجارة والصناعة إن كل جنيه (0.06 دولار) ينفق على مساندة الصادرات يتراوح عائده بين 1.5 دولار إلى 3 دولارات على الصادرات المصرية وفق كل قطاع.

وعرض رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عددا من البدائل لتسوية ديون الحكومة للمصدرين، منها تقديم الأراضي أو إصدار صكوك لكل مصدر مقابل مستحقاته، إلا أن المجالس التصديرية عرضت حلولا أكثر عملية لسداد المتأخرات.

خالد أبوالمكارم: أسهل الحلول قيام وزارة المالية والبنك المركزي بسداد ديون المصدرين
خالد أبوالمكارم: أسهل الحلول قيام وزارة المالية والبنك المركزي بسداد ديون المصدرين

وقدم خالد أبوالمكارم رئيس المجلس التصديري للأسمدة والكيماويات، أطروحة تنص على الاتفاق بين وزارة المالية والبنك المركزي المصري لسداد أقساط وفوائد البنوك لكل مصدر مدين للبنوك، مقابل المبالغ المستحقة له. وترصد وزارة المالية من خلال الموازنة العامة للدولة قيمة برامج المساندة التصديرية سنويا، إلا أنها لا تلتزم بتسديدها بسبب زيادة الأعباء على الموازنة.

وتصل قيمة المساندة التصديرية العام الحالي بالموازنة العامة للدولة إلى مستويات 360 مليون دولار، وسيتم صرفها على أربع شرائح ربع سنوية بنحو 90 مليون دولار لكل شريحة حتى لا تتفاقم مشكلة تأخر المساندة التصديرية مرة أخرى.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن مجلس الوزراء وافق على منح أولوية للمصدرين في تخصيص أراض صناعية لهم، فضلا عن منحهم أولوية في الحصول على الائتمان من البنوك لتمويل خطوط الإنتاج الجديدة.

من المتوقع أن يتم العمل بآلية تخصيص الأراضي مطلع سبتمبر المقبل، على أن يتمكن المصدر من الحصول على الأراضي بعيدا عن صفوف الانتظار. ورصد البنك المركزي المصري نحو 30 مليون دولار دفعة أولى للمصدرين لتمويل توسعاتهم الاستثمارية.

وقدم عمرو أبوفريخة رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية لرئيس الوزراء المصري أطروحة لتطوير نظام تشجيع الصادرات وزيادة تنافسية المنتج المصري في الأسواق العالمية، تتضمن إنشاء مجلس أعلى للصادرات يضم كافة الجهات المعنية بالتصدير في مصر، مع تطوير القدرات المؤسساتية للجهات المعنية بتنمية الصناعة والتصدير.

ويصل عدد الشركات المصدرة في قطاع الصناعات الهندسية إلى نحو 1170 شركة منها 500 شركة صناعية. وأضاف لـ”العرب” أن البرامج المقترحة لتشجيع الصادرات تتضمن برامج خاصة بالتسويق من خلال دعم المشاركة في المعارض الخارجية، وتأهيل الشركات الوطنية للتوريد للشركات العالمية الكبرى، مع الترويج للعلامات التجارية المصرية.

وتعد الصناعات الهندسية من القطاعات التي لديها القدرة على تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة، ويعمل بها 6790 شركة، بإجمالي عمالة مباشرة تصل إلى أكثر من 442 ألف عامل، وباستثمارات تبلغ نحو 8.7 مليار دولار.

ولاقى مقترح إصدار صكوك للمصدرين بقيمة متأخراتهم لدى الحكومة ترحيبا واسعا، ويمكن بمقتضاها خصم ديونهم لدى البنوك لأنها مضمونة من قبل وزارة المالية، ما يجعلها أداة سداد لالتزاماتهم لهم لدى مختلف الجهات.

وأيّد هذا الاتجاه وليد جمال الدين رئيس المجلس التصديري لمواد البناء والصناعات المعدنية، مؤكدا أنه بموجب هذه الأدوات يمكن للمصدر القيام بعمليات مقاصة مع مصلحة الضرائب لسداد قيمة الضرائب أو التأمينات الاجتماعية.

محمود برعي: مخاوف من تقويض المبادرة بتحول المصدرين إلى المتاجرة بالأراضي
محمود برعي: مخاوف من تقويض المبادرة بتحول المصدرين إلى المتاجرة بالأراضي

وأوضح لـ”العرب” أن تلك الاقتراحات سوف تطبق على مساندات التصدير المتأخرة فقط والمستحقة قبل 30 يونيو 2019، لأن الحكومة ليست لديها سيولة ووضعت المصدرين أمام الأمر الواقع، ولم يعد أمامنا أيّ خيارات أخرى.

ويرى مراقبون أن القاهرة في حاجة ماسة لتشجيع المصدرين لتعزيز موقف صادراتها التي تراجعت في الأسواق الخارجية وفق أحدث بيانات لميزان المدفوعات عن الأشهر التسعة الأولى من العام المالي الماضي.

وأظهرت البيانات تراجع صادرات مصر السلعية في تلك الفترة بنحو ثلاثة بالمئة بمقارنة سنوية لتصل إلى 12.3 مليار دولار مقارنة بنحو 12.7 مليار دولار قبل عام، في وقت تبحث فيه القاهرة عن زيادة مواردها من العملة الأجنبية. وقال جمال الدين أن “الحكومة لم تُعلن عن تفاصيل تنفيذ بدائل تسديد مستحقات المساندة التصديرية حتى الآن، وأنها وعدت بالكشف عنها خلال الأيام المقبلة”.

وأشار أيضا إلى أن “الحكومة اتفقت معنا على عدم إجبار أي مُصدر على اختيار بديل بعينه، بل سيحدد كل مصدر الاختيار الأمثل له دون أيّ ضغوط، ويمكن للمصدر اختيار نسبة محددة من كل بديل، كأن يختار 10 بالمئة أراضي و30 بالمئة مقاصة للضرائب و30 بالمئة سداد مستحقات البنوك و30 بالمئة في شكل صكوك، أو غير ذلك”. واستبعد عدد من رؤساء المجالس التصديرية أن يتم تطبيق تلك البدائل على مساندات التصدير المستقبلية، وأن يتم العمل بالنظام المعتاد بمنح المصدرين قيمة المساندة في شكل نقود.

وقال محمود برعي رئيس لجنة التصدير في جمعية مستثمري مدينة 6 أكتوبر في جنوب غرب القاهرة إن “من الأفضل تعويض المصدرين عن تأخر قيم المساندات المخصصة لهم في شكل خصم ديونهم لدى مؤسسة الكهرباء أو منح كل مصدر خصما مباشرا على قيمة ديونه لدى الجهات الحكومية”. وأكد أن ذلك يضمن “عدم تأخر المستحقات لأنها سوف تصرف مباشرة في صورة هذا الخصم”.

وذكر لـ”العرب” أن “نظام المساندة التصديرية الجديد الذي أقرته الحكومة بصرف المستحقات ربع سنويا يشوبه الغموض، ونخشى أن نصل إلى نفس مصير المساندة الحالية، وتحتاج تلك الخطوة لحوار مجتمعي مع منظمات الأعمال للتوافق على طريقة ترضي جميع الأطراف”. واقترح إمكانية الاستفادة من تجربة الصين وهي أكبر مصدر للسلع في العالم، حيث تقوم بإعفاء مدخلات الإنتاج من الجمارك، إضافة إلى أشكال أخرى من دعم الشركات المصدرة.

وقال إن بكين تقدم للمصدرين حوافز متعددة، تمتد إلى تغطية جميع تكاليف المشاركة في المعارض الدولية، مؤكدا أن ذلك من أفضل وسائل المساندة التصديرية بدلا من المحفزات المالية. وحذر برعي من اتجاه بعض المصدرين إلى المتاجرة بالأراضي التي سيحصلون عليها كبديل للمساندة التصديرية، الأمر الذي يُفقد المبادرات بريقها وأهدافها.

11