القاهرة.. عشوائية التحديث وبدائل تطوير مثلث ماسبيرو

لقد عانينا من عشوائية التحديث طويلا، ولم تكن المناطق التي سُميت بالمناطق العشوائية إلا انعكاسا لحالة العشوائية في التحديث، وإهمال الإنسان وعدم دمجه في عملية التحديث.
الاثنين 2018/08/20
يجب طرح معايير أو محددات أساسية يلتزم بها المخطط المستقبلي لتطوير المنطقة

في هذه اللحظات تستمر إزالة المباني الأخيرة في المنطقة المعروفة بمثلث “ماسبيرو” على كورنيش النيل بالقاهرة، بالقرب من ميدان التحرير والمتحف المصري القديم، وفي مواجهة برج القاهرة على الضفة الأخرى من النيل، والتي سميت بمثلث ماسبيرو لأنها على شكل مثلث ولأن أشهر المباني التي تقع فيها هو مبني الإذاعة والتلفزيون المصري “ماسبيرو”، ولا تبعد كثيرا عن القاهرة الفاطمية والخديوية ومنطقة القلعة.

وأثارت عملية الإزالة جدلا كبيرا بين سكان القاهرة ومرتاديها ومحبيها، فالكثير منهم يرى أن الأمور تتم بعشوائية وبعيدا عن التخطيط، بدليل إزالة بعض العمائر التي تحمل ملامح تراثية، لكن القلق الأكبر ينتاب الناس من الشكل المستقبلي الذي سيتحول له المكان في ما بعد.

فالمثلث يقع في قلب القاهرة بالفعل وفي أفضل المواقع على نيل مصر التاريخي، وقد انشغل الكثير من المسؤولين بالحديث عن المفاوضات الطويلة والبدائل والآليات المتعددة التي طُرحت على أهل المنطقة، كي يستجيبوا لفكرة الإخلاء والإزالة قبل التنفيذ الفعلي.

لكنّ أحدا لم يذكر شكلا أو تصورا مقترحا ما لعملية التطوير المستقبلية، ومعظم المتابعات الصحافية أكدت على ما أسمته بالطابع العشوائي للمنطقة، وتحدثت عن الكلمة الفضفاضة المسماة بـ”التطوير” دون أن يخرج للناس أحد يوضح ويفسر مفهوم ذلك التطوير. هل سيكون عبر كتل أسمنتية تهمل الطابع المعماري والتراثي والإنساني لروح القاهرة، بما يزيد أهلها كآبة عما هم فيه.

أعتقد أنه يجب طرح معايير أو محددات أساسية يلتزم بها المخطط المستقبلي لتطوير المنطقة أيا كان الذي سينفذه، وأعتقد بضرورة أن تصدر تلك المحددات في شكل قانون ملزم لمثل عمليات التطوير الكبرى هذه داخل محيط مدينة القاهرة، فالمدينة لها روح ولها طابع يرتبط بالتراث الخاص بها الذي تراكم عبر مئات السنين، وأعطاها شكلها المميز.

هل يجب أن تشمل تلك الاشتراطات شكلا معماريا معيّنا للواجهات؟ هل تشمل تسمية لمجموعة الأنشطة التراثية التي يجب أن تشغل محلاّت الصف الأول منها؟ وهل تضمن شكلا تراثيا معيّنا لرصف الأرضيات الداخلية لتلك المباني المستقبلية، وهل تنص على تخصيص منطقة للفنون الحرة وفنون الشارع وفنون الأداء؟ هل تحدّد ضرورة وضع تماثيل وموتيفات تمثّل مصر عبر العصور في زواياها وميادينها ومداخل عمائرها؟ هل تنص على وجود ممشى يحيط بالمنطقة ككل يخصص للمشاة والمظاهر التقليدية الموروثة للقاهرة؟ أم هل يمكن دمج كل ذلك وطرحه على مجموعة من المتخصصين لنخرج بتصور متكامل لشكل المنطقة المستقبلي؟

اعتقد أننا الآن أمام واقع وهو أنه تم إزالة المنطقة بالفعل، والنقاش يجب أن يدور حول البدائل الممكنة للحفاظ على طابع القاهرة التراثي في شكل التطوير المزمع إقامته وبنائه في المنطقة. خصوصا وأنه يجرى الحديث في الأروقة عن عمليات “تطوير” مماثلة لمناطق أخرى داخل القاهرة، وهنا يجب على المهتمين بالحفاظ على روح مصر واستمرارها المطالبة بوجود اشتراطات، لضمان الحفاظ على هذه الروح من جهة، وضرورة أن يضع ذلك التطوير الإنسان في اعتباره من جهة أخرى.

وقضية الإنسان هنا بالغة الأهمية، فلا يمكن الحديث عن المكان دون روحه المميزة المتمثلة في الإنسان، فقد شهدت القاهرة طوال الفترات الماضية عشوائية في فلسفة المدينة وفي تطويرها وعلاقتها بالتراث لحدّ ما، يمكن القول إن القاهرة كانت تحمل سماتها المميزة نتيجة ارتباط كل منطقة بحالة خاصة تواكبت مع الشكل الحضاري والتقني الذي كان سائدا قبل عملية التحديث، والشروع في استبدال أنماط الحياة القديمة بمثيلاتها الغربية.

أعتقد أن عملية تحديث القاهرة جاءت على عجل؛ وعلى مدار أكثر من قرن كامل أصبح لدينا ما يمكن تسميته بـ”عشوائية الحداثة”، بعدما كان لدينا نظام تقليدي أكثر جمالا واتساقا مع بعضه، ولكن إذا كنا سنبحث عن حلّ متخيّل لعشوائية التحديث التي ضربت القاهرة، دون رؤية كلية لإدارة الوجود الإنساني فيها وتوزيعه، فسوف نؤكد على عشوائية التحديث التي كانت تتم طوال القرن الماضي ونكررها.

أرى أن أهم المحدّدات في عملية تطوير القاهرة الكبرى هو إدارة وجود الكتل البشرية الضخمة فيها، وفق نمط حياتها الاجتماعي ودوره في إعطاء القاهرة شكلا مميزا تستعيد به روحها التاريخية. فقديما كانت القاهرة منظمة بشكل وظيفي في أحياء المهن والطوائف والأحياء الأجنبية وأحياء الموظفين والحاشية الملكية ومعسكرات الجند، والقصد أن تحمل فلسفة تفكيك القاهرة الكبرى وإعادة بنائها رؤية متكاملة لمستقبلها.

فهل نحن بصدد تحويلها إلى مدينة تاريخية سياحية وثقافية، ونقل معظم الدواوين الحكومية لشرق القاهرة في العاصمة الإدارية الجديدة، في هذه الحالة علينا البحث عن مجموعة المهن والحرف التي يمكن لها أن تدعم هذا الاختيار، ونعيد تجميعها أو حتى إحياء تراثها، لتصبح القاهرة متحفا مفتوحا أمام الدنيا بأكملها.

في هذه الحالة سنهتم بالصناعات الثقافية والإبداعية واليدوية، وإعادة توطينها أو إحيائها وتوظيفها من جديد وتوزيعها على خارطة القاهرة الكبرى، بحيث تكون سبل الحياة ميسرة لهؤلاء الذين سيعطون القاهرة طابعها المميز ويعيدونه لها، فهنا يجب أن تهتم بنمط حياة الإنسان وراحته، فهو ليس آلة مبرمجة يعمل بالطاقة الكهربائية، بل يجب عليه أن يشعر بالرضا والسعادة حتى يمنحك ما تحتاجه.

لقد عانينا من عشوائية التحديث طويلا، ولم تكن المناطق التي سُميت بالمناطق العشوائية إلا انعكاسا لحالة العشوائية في التحديث وإهمال الإنسان وعدم دمجه في عملية التحديث، ومن الواضح أننا دفعنا وما زلنا ندفع ثمن تلك العشوائية، فإذا لم يجد الإنسان له مكانا في نمط الحياة السائد في مجتمعه، فإنه بلا شك سيصبح عشوائيا.

وإذا لم يضع المطوّر في حساباته إعادة توظيف الإنسان صاحب المكان الأصلي في شكل المخرج النهائي للمكان، فإنه يمارس فعلا جديدا لخلق العشوائية، خاصة إذا كان سيجد له دورا في فلسفة المكان الجديدة.

ولا بد من التأكيد على أننا ضد عشوائية التحديث القديمة وإعادة إنتاجها في شكل كتل أسمنتية ومعمارية وأبنية غير ذات دور وظيفي في الصورة العامة والكلية لمدينة القاهرة، وأننا مع التحديث الخارج من الطبيعة الحية لمدينة القاهرة وسكانها ووفق التصور المستقبلي لها كحاضرة ثقافية وتراثية لمصر، بعد نقل المصالح والدواوين الحكومية لشرق القاهرة في العاصمة الجديدة، مع التأكيد على أن العائد الاقتصادي طويل المدى للحاضرة الثقافية أكبر بكثير من العائد قصير المدى القائم على التعامل مع القاهرة كمصدر للأصول الدفترية العقارية، التي يمكن بيعها للاستفادة من أموالها فقط.

ويمكن الاستفادة من اتفاقية الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في هذا الخصوص، وكذلك من اتفاقية صون التراث الثقافي اللامادي الموقّعة عام 2003 الخاصة باليونسكو، واتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وكذلك الاستفادة من التجربة الصينية الرائدة في التنمية الثقافية ورفع نسبة مشاركتها في الناتج القومي.

8