القاهرة مدينة مقهورة

الفلسفة السائدة منذ عقود عدة في مصر، تتلخّص في إهمال القديم حتى يسقط، وإقامة الجديد للتفاخر بإنشائه ونسبته إلى الحاكم الذي أمر به.
الأربعاء 2018/03/07
البقعة التي يلتقي عندها فرعا نهر النيل العظيم

كانت مدينة القاهرة التي تجاوز عمرها الألف عام، تستحق بالتأكيد معاملة أفضل من ذلك الإهمال والتجاهل، والتوجه لإنشاء “عاصمة جديدة” في الصحراء، شأن الكثير ممّا أقيم وأطلق عليه في مصر “المدن الجديدة”، وهي في الحقيقة ليست مدنا، بل مجرد مجموعات من المباني الإسمنتية الجرداء، زرعت في الصحراء بقرارات علوية لتمجيد الحكام والانتصارات التي ينسبونها لأنفسهم، فهناك مدينة السادات، ومدينة العاشر من رمضان، ومدينة السادس من أكتوبر، ومدينة العبور، ومدينة 15 مايو وغير ذلك.

ولا تنشأ المدن الجديدة بقرارات من الحكام، بل تأتي نتيجة التقاء فريد بين عبقرية البشر وعبقرية الطبيعة، فالناس تختار المكان، تحط رحالها فيه، تتطلّع إلى ما يميزه من طبيعة جغرافية، حيث تتوفّر مصادر الحياة.

ومعظم المدن التاريخية في العالم كانت في الأصل قرى أو تجمعات سكانية صغيرة، ثم توسعت وصدرت لها القرارات الحديثة للعناية بها وتحويلها إلى مدن تضج بالحياة والحركة وتتميّز بالسحر والجمال.

فهل كان مصادفة مثلا أن تنشأ مدينة باريس حول تلك الجزيرة الصغيرة المسماة “جزيرة باريس” في وسط نهر السين العظيم، حيث استقرت قبائل السيلت وأسست قرية للصيادين؟ وفوق أطلال قرية قديمة للصيادين أيضا نشأت مدينة كان، ذلك المنتجع العالمي الشهير بمهرجانه السينمائي وغيره من الأنشطة الدولية.

ونشأت القاهرة كذلك في تلك البقعة التي يلتقي عندها فرعا نهر النيل العظيم، فيخلق جزيرة رائعة الجمال بين الفرعين، والأصل في إنشائها الرومان الذين أقاموا هناك حصن بابليون وبجواره أقيمت الفسطاط، ثم القاهرة.

لكن الفلسفة السائدة منذ عقود عدة في مصر، تتلخّص في إهمال القديم حتى يسقط، وإقامة الجديد للتفاخر بإنشائه ونسبته إلى الحاكم الذي أمر به، لقد عرفت مصر واحدة من أقدم الحضارات البشرية، لكن القاهرة ربما تكون العاصمة الوحيدة الكبرى في العالم التي تخلو من وجود أي آثار فرعونية، وأشهرها المسلات القديمة، في شوارعها وساحاتها.

والقاهرة أيضا واحدة من العواصم النادرة المطلة على نهر عظيم، التي يحرم سكانها من أماكن المتعة والاستمتاع بنهرها، بعد أن استولت عليه مؤسسة معينة واحدة هي التي تتحكّم في أراضي مصر بكاملها منذ محمد علي، وسدت على الناس حتى مجرد رؤية النيل أو السير على ضفتيه أو الجلوس في المقاهي التي كانت موجودة في الماضي، على الضفتين قبل هذا الطغيان العمراني العظيم.

كان تمثال رمسيس الثاني آخر أثر فرعوني يشهد على الحضارة المصرية القديمة قائما في واحد من أهم الميادين في القاهرة، أو ميدان محطة القطارات التي تسمى “محطة مصر”، وكان يعرف في السابق باسم “باب الحديد”، لكن سائر المصريين كانوا يتمسكون بتسميته “ميدان رمسيس”، ثم صدر منذ عقود قرار إداري غاشم غشيم بإزالة التمثال من الميدان ونقله إلى المجهول، فهل حدث شيء في العالم كهذا؟

القاهرة عاصمة كبرى يعيش فيها أكثر من عشرين مليونا من البشر، ورغم ذلك تغيب عنها المحطات الثابتة لركوب الحافلات، والنوافير، والأرصفة، والحدائق التي تآكلت مع زحف الكتل الإسمنتية، كما تغيب دورات المياه العمومية، ومراكز الاستعلامات السياحية، واللوحات الواضحة للاتجاهات بالحروف العربية والأعجمية، كما تغيب غيابا فاضحا صناديق البريد، بل إن البريد نفسه أصبح وسيلة مشكوك في وجودها، بعد اختفاء صناديق البريد وساعي البريد، كما اختفت تماما “كبائن التليفونات” من الشوارع.

وغابت أيضا الساحات العامة التي تسمح بتجمع الشباب للاحتفال بالحياة على غرار ما كان قائما في الماضي، وما هو قائم في مدن العالم الشهيرة، فقد حوّلت السلطة الساحات إلى شوارع، وسدّت الأرصفة بالأسلاك والمتاريس، وقضت على الدوائر الخضراء والتماثيل التي كانت توجد في منتصف الساحات. ورغم وجود جهاز تابع لوزارة الثقافة يسمى “التنسيق الحضاري” إلاّ أنه لم تعد له صلة بتجميل المدن وخاصة العاصمة، بعد أن وقعت بالكامل في قبضة مؤسستي الأمن والجيش.. ولله الأمر من قبل ومن بعد!

16