القاهرة وأنقرة مناوشات سياسية بعيدة عن المقاطعة الاقتصادية

5 مليارات دولار تربط تركيا بمصر في مجالي الاستثمارات والتبادل التجاري.
الخميس 2020/10/29
تجارة خارج الحسابات السياسية

دخلت العلاقات بين مصر وتركيا نفقا مظلما على الصعيدين السياسي والأمني، لكن النسق الاقتصادي في العلاقات بينهما يسير في اتجاه آخر، كأنه لا يعترف بالمستوى الأول، حيث لم يتأثر بحدّة المناوشات التي تجري بين البلدين، وظل بعيدا عن التأثيرات السلبية، ضمن تفاهم ضمني لا أحد يريد التخلي عنه، في إطار حزمة من المصالح الاقتصادية يحرص كل طرف على الاحتفاظ بها.

القاهرة - يحمل تشابك الاقتصاد المصري مع السوق التركية طبيعة خاصة، تدفع الطرفين للتعامل مع هذه الحالة بحذر شديد، حفاظا على مصالح اقتصادية متبادلة ومستمرة وسط العداء الظاهر، وإن تراجعت نسبيا، لكنها لم تتوقف بعد.

لامس ميزان التبادل التجاري بين البلدين مستويات الـ5 مليارات دولار قبل سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر عام 2013، وأخذ في التراجع إلى أن وصل لنحو 2.5 مليار دولار خلال التسعة أشهر الأولى من العام المالي الماضي، وفق أحدث بيان رسمي عن شركاء القاهرة التجاريين.

ورغم انخفاض التبادل التجاري بين البلدين إلى النصف، إلا أنه يظل محكوما بعدة متغيرات تضاف إلى توتر العلاقات السياسية، منها تباطؤ الاقتصاد العالمي، والمتغيرات الأخيرة التي فرضها وباء كورونا.

ورغم تصاعد حدة التوتر بين البلدين، لم تتطرق الحكومة المصرية إلى المصالح الاقتصادية، فمتوسط حركة الميزان التجاري تعادل نحو 10 في المئة من حجم صادرات مصر تقريبا.

ولم تلق دعوات بعض الإعلاميين المصريين لمقاطعة المنتجات التركية استجابة من الحكومة، لأن العلاقات الاقتصادية مع أنقرة متشعبة، ولها حسابات معقدة.

محمد يوسف: مصر تستقبل استثمارات تركية على خلاف الدول المقاطعة
محمد يوسف: مصر تستقبل استثمارات تركية على خلاف الدول المقاطعة

قال محمد يوسف المدير التنفيذي لجمعية رجال الأعمال المصريين، من الصعوبة أن تقتفي القاهرة أثر الدول التي أعلنت مقاطعة المنتجات التركية مؤخرا.

وأوضح لـ”العرب”، أن مصر من الدول المستقبلة للاستثمارات، بعكس الدول التي أعلنت المقاطعة، فضلا عن أن صادراتها تستحوذ على حصة سوقية في تركيا، إلى جانب شريحة لا يستهان بها للمنتجات التركية في السوق المصرية.

وكشفت أحدث بيانات البنك المركزي عن واردات مصر من السوق التركية خلال التسعة شهور الأولى من العام المالي الماضي بنحو 1.68 مليار دولار، مقارنة بصادرات مصرية لتركيا بنحو 737.6 مليون دولار.

ورغم أن الميزان التجاري يميل للجانب التركي، لا ترغب القاهرة في دخول حرب تجارية مع أنقرة، لأن رد الفعل سيكون بالمثل، حال وضعت القاهرة قيودا رسمية على دخول المنتجات التركية، كما أن الاقتصاد المصري لا يحتمل هزات.

وأشار خبراء ومقربون من الشأن التركي إلى أنه لا تلوح في الأفق نية لإلغاء القاهرة اتفاقية التجارة الحرة مع أنقرة، ومن المقرر مراجعتها في 20 نوفمبر المقبل.

ويعزز تلك التوقعات نص المادة 38 من الاتفاقية والتي حصلت “العرب” على نسخة منها، حيث تنص على فترة سريان الاتفاقية وإنهائها.

ووفقا للمادة تسري الاتفاقية لمدة غير محدد، ولأي من الطرفين أن ينهي هذه الاتفاقية بإخطار الطرف الآخر، وينتهي سريان الاتفاقية في اليوم الأول للشهر السادس، من تاريخ استلام الطرف الآخر هذا الإخطار.

كما أن عملية الإلغاء تستغرق نصف عام من تاريخ الإعلان رسميا، وليس في اليوم التالي، وحتى الآن لم يتم الإعلان رسميا عن إلغاء اتفاقية التجارة المشتركة.

على مدى الاتفاقية التي وقعت عام 2005 ودخلت حيز التنفيذ في 2007 حصدت تركيا مكاسب اقتصادية تفوق المصالح المصرية، حيث بلغت الصادرات لتركيا نحو 17 مليار دولار، بينما بلغت الواردات لمصر 32.5 مليار دولار، ما يعنى أن الميزان التجاري يميل لتركيا.

وعلى مدى 13 عاما جذبت القاهرة استثمارات تركية مباشرة بنحو 2.5 مليار دولار من خلال 230 مصنعا تركيا، وفرت نحو 52 ألف فرصة عمل، كانت تسعى إلى مضاعفة استثماراتها وقنص الفرص المتاحة بالسوق المصرية لتصل لمستوى 5 مليارات دولار.

تسببت سنوات العداء الأخيرة التي أطلقت شرارتها أنقرة في ضياع فرص استثمارية على المصانع التركية في مصر بنحو 2.5 مليار دولار، لأنها باتت تعمل بطاقاتها الحالية ولا تسعى لتوسيع أنشطتها ترقبا لتطورات الأوضاع السياسية.

وسعت منظمات الأعمال التركية نهاية عام 2017 لإذابة جبل الجليد بين البلدين، لتقليل خسائرها، وشهدت القاهرة اجتماعات الدورة الـ15 لمجلس الأعمال المصري التركي المشترك لأول مرة بعد تجميد نشاطه لأكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، ونظم اللقاء اتحاد الغرف التجارية المصرية.

وشارك من الجانب التركي رفعت حصارجيقلي أوغلو رئيس اتحاد الغرف والبورصات التركية وهي منظمة شبة حكومية قريبة من السياسة بدرجة كبيرة.

وكشفت تصريحات حصارجيقلي أوغلو خلال تلك الزيارة عن نوايا تقارب، حيث طلب من مترجمه الخاص خلال المنتدى الاقتصادي الذي حضرت فعالياته “العرب” بالقاهرة التأكيد على ضرورة تعزيز العلاقات الأخوية بين البلدين لتتطور بشكل ملموس على الصعيد الاقتصادي.

وطلب حصارجيقلي أوغلو من مترجمه الخاص تكرار تلك الجملة مرتين على الحضور، وكأنها جاءت بمباركة سياسية.

أطاحت التطورات السياسية بطموحات حصارجيقلي أوغلو، بعد توقيع القاهرة على اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص، وكان من ثمارها الإعلان عن حقل ظهر العملاق للغاز قبالة السواحل المصرية.

 

أشرف هلال: خسائر صناعة الأواني المنزلية تتفاقم لصالح الواردات التركية
أشرف هلال: خسائر صناعة الأواني المنزلية تتفاقم لصالح الواردات التركية

تتصدر تركيا المرتبة 27 ضمن قائمة أهم الدول المستثمرة في مصر، وفقا لإحصاءات الهيئة العامة للاستثمار، في مجالات الملابس والمنسوجات والصناعات الغذائية والكيماويات والتعدين والزجاج والمشروعات السياحية.

وتستورد مصر من تركيا الزيوت البترولية ومنتجات الحديد والصلب والمنتجات المغذية لصناعة السيارات والسجاد والأواني المنزلية والورق والكرتون والفوط الصحية وحفاضات الأطفال والحبوب تحديدا العدس، والأجهزة الكهربائية والأخشاب والإسمنت والفواكه المجففة.

وتصدر مصر لتركيا البولي بروبلين وأسمدة اليوريا والملابس الجاهزة والأقمشة وغزول القطن والألياف الزجاجية ومادة أسود الكربون والأسلاك النحاسية وإطارات الأتوبيسات ورمال السيليكا والبولى إيثلين ومنتجات الحديد والصلب مسحوبة على البارد والفاكهة والخضر المجمدة وشاسيهات الأثاث يدوية الصنع.

وعبر هذه السنوات شهدت القاهرة وأنقرة جولات من الحروب التجارية من خلال فرض رسوم إغراق على حديد التسليح التركي، وهذه المعركة مستمرة منذ فترة حكم الإخوان، فضلا عن شروع القاهرة مطلع يوليو الماضي للسير في إجراءات تستهدف التحقق من إغراق السجاد الميكانيكي وأغطية الأرضيات المصنعة من مواد النسيج التركيبية ذات المنشأ أو المصدرة من تركيا.

وتلقى قطاع المعالجات التجارية بوزارة التجارة والصناعة شكوى مؤيدة مستنديا من الصناعة المحلية والتي تمثلها شركة “النساجون الشرقيون”، قالت فيها إن واردات الصنف المشار إليه ترد إلى مصر بأسعار مغرقة، وتُسبب ضررا للصناعة المحلية.

ورغم تأثير هذه المناوشات جزئيا على الحالة الاقتصادية، إلا أن كل من الدولتين تسيران وفق أعراف منظمة التجارة العالمية.

أكد أشرف هلال، رئيس شعبة الأدوات المنزلية بالغرفة التجارية للقاهرة، أن الشعبة تتمنى إطلاق الجهات المعنية حملة لمقاطعة المنتجات التركية، لأن مصر لديها مصانع قادرة على إنتاج منتجات أعلى كفاءة من نظيرتها التركية.

وأوضح لـ”العرب”، أن وجود المنتجات التركية في مصر، أدى إلى تعطيل العمل بعدد من مصانع الأدوات المنزلية، ما يستوجب فرض رسوم على المنتجات التركية من الأدوات المنزلية التي تغرق السوق المحلية، لإنقاذ اقتصاد الصناعة الوطنية.

ولفت إلى أن مصر لا تعاني عجزا في سوق الأدوات المنزلية، لكن هناك الكثير من المواطنين يفضلون المنتجات التركية على المحلية، واتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، هي السبب الرئيسي في منافسة المنتجات التركية لنظيرتها المصرية.

11