القبة والسياسة.. براغماتية أردوغان

استفاد أردوغان من تجربة أستاذه نجم الدين أربكان واستوعب الدروس من الإخفاقات المتكررة للأحزاب التي أسسها في التسعينات من القرن الماضي وأهم تلك الدروس أن النزعة الدينية وحدها لن تأتي بنتيجة.
الثلاثاء 2020/07/21
أردوغان يريد إعادة غرس تركيا في قلب العالم العربي

قد لا يكون من المفيد تكرار القول في الآثار الواقعية، السياسية بوجه خاص، لقرار تحويل متحف آيا صوفيا في إسطنبول التركية إلى مسجد، كما كان عليه الحال قبل تولي كمال أتاتورك السلطة واتخاذ قراره الشهير بتحويل المسجد إلى متحف، للمرة الأولى منذ قرابة خمسة قرون، في عهد محمد الثالث الملقب بالفاتح.

إن البصمة السياسية لمثل هذا القرار لا يمكن أن تخطئها العين، بل إن السياسة توجد في صلب القرار الذي يبدو في الظاهر، لرجل الشارع العربي البسيط، صادرا عن حمية دينية ورغبة في إحياء ماض تولى.

فكما أن أتاتورك، قبل ستة وثمانين عاما، كان يريد بقراره التوجه إلى أوروبا والغرب لتكريس فصل الدين عن الدولة، وبناء الدولة الحديثة وفك الارتباط بين تركيا والعالم العربي، يريد أردوغان اليوم بقراره الجديد المثير أن يعيد غرس تركيا في قلب العالم العربي عبر استجلاب المشاعر الدينية للمواطن البسيط والنخبة الدينية على مستوى الظاهر.

بينما، على الصعيد الاستراتيجي، توجد نوايا استعادة النزوع العثماني القديم، فواضح أن أردوغان يعيد إلى العرب اليوم نفس المنتوج القديم الذي طرحوه وانقلبوا ضده، فقد رفض العرب النزعة القومية الطورانية الضيقة وثاروا عليها في بداية القرن الماضي، وفي بداية القرن الحالي يحاول أن يعيدها إليهم على شكل نزعة قومية عثمانية، لكنها في العمق طورانية مغلفة.

فهم أردوغان جيدا كيفية التوليف بين النزعتين، فوظف النزعة القومية تجاه الداخل التركي، ووظف النزعة الدينية تجاه الخارج، في المحيط العربي

بيد أن الإستراتيجية السياسية والأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية، التي وضعت معالمها المفصلة في السنوات الأولى لوصوله إلى الحكم عام 2002، ترتكز على عاملين حاسمين في تمكينه من النجاح الانتخابي الذي أحرزه في المحطات الانتخابية السابقة.

العامل الأول، هو العامل الديني، الذي سهل عليه جلب تأييد وتعاطف عدد كبير من المواطنين الأتراك ذوي الميول الدينية والصوفية بوجه خاص؛ فهؤلاء هم الذين لعبوا دور الوقود الذي حرك العربة في المرحلة الأولى من الحياة السياسية للحزب، وفتحوا له الطريق إلى الناس، بعد أن كان شبه مجهول من قبل الناس من قبل، وعندما أيقن في المحطة الانتخابية الثالثة أنه تمكن من الإمساك بزمام السلطة بإحكام، تخلى عن حلفائه السابقين وشرع في التخلص منهم، وعلى رأس هؤلاء الحليف الأهم والأكبر، حركة “خدمة” لفتح الله غولن، ولعله بذلك أراد التخلص أيضا من ماضيه الإسلامي، والتوجه أكثر نحو تغليب جانب البراغماتية على حساب العقيدة، مثل أي حزب ديني تنتهي السياسة بامتصاصه.

أما العامل الثاني، فهو العامل القومي، وهو لا يقل تأثيرا عن العامل الديني. ذلك أن حزب العدالة والتنمية، بالرغم من مظهره وخطابه الإسلاميين، هو في العمق حزب قومي يسعى إلى ضخ دماء جديدة في النزوع العثماني القديم. بل إنه من دون تلك النزعة القومية ما كان له أن يستمر في السلطة ويحصد أصوات الناخبين، وأن يقنع أهم الأحزاب القومية، وهو حزب الحركة القومية، بالتحالف معه في الانتخابات الأخيرة، بالرغم من الحروب السياسية التي حصلت بينهما في السابق.

لقد استفاد أردوغان من تجربة أستاذه نجم الدين أربكان، الذي انقلب على زعامته في ما بعد، واستوعب الدروس من الإخفاقات المتكررة للأحزاب التي أسسها أربكان في التسعينات من القرن الماضي، وأهم تلك الدروس أن النزعة الدينية وحدها، والاصطفاف في الخطاب الإسلاموي التقليدي، لن يأتي بنتيجة داخل تركيا وفي المشهد السياسي التركي، ما لم تكن في قلب الخطاب الديني نزعة قومية واضحة.

على الصعيد الاستراتيجي، توجد نوايا استعادة النزوع العثماني القديم، فواضح أن أردوغان يعيد إلى العرب اليوم نفس المنتوج القديم الذي طرحوه وانقلبوا ضده

وقد فهم أردوغان جيدا كيفية التوليف بين النزعتين، فوظف النزعة القومية تجاه الداخل التركي، ووظف النزعة الدينية تجاه الخارج، في المحيط العربي. ويجمع القرار الأخير المتمثل في إلغاء المحكمة الإدارية العليا قرار مجلس الوزراء الصادر عام 1934 في عهد أتاتورك حول متحف آيا صوفيا بين النزعتين معا، فهو في جانب منه هدية إلى القوميين المتطرفين داخل تركيا، أنصار النزعة العثمانية، لكن انطلاقا من ميول علمانية لا تقاسم الخطاب الإسلاموي أيا من القواسم، ومنهم أنصار وأعضاء حزب الحركة القومية المتحالفة مع العدالة والتنمية في الحكم.

واضح أن أردوغان قد اختار التوقيت المناسب أيضا، بحيث تكون للقرار فائدة سياسية داخليا لا مجرد طلقة في الهواء، إذ تزامن القرار مع عدد من الاستقالات داخل الحركة القومية في صفوف الرافضين لاستمرار التحالف مع حزب العدالة والتنمية.

أما من الجانب الآخر، فإن القرار يتوجه إلى الشارع العربي، الذي يراهن عليه أردوغان بشكل كبير كفضاء مفتوح اليوم ودون قيادة عربية بارزة نتيجة الانقسامات الحاصلة؛ يدل على ذلك ما ورد على لسان أردوغان في خطابه بتلك المناسبة، بعد أن تم تحويل المتحف من يد وزارة الثقافة والسياحة ليوضع في يد وزارة الشؤون الدينية، عندما أثار موضوع القدس، واعتبر أن تحويل المتحف إلى مسجد سيكون الخطوة الأولى نحو استعادة القدس.

8