القبح في السينما

الجاذبية البصرية المثيرة تلفت أنظار المتفرجين بعيدا عن جوهر الصورة أو خارج ما يكمن تحت جلد الصورة، أي حياة البؤس نفسها.
الأربعاء 2018/12/19
جوهر فكرة الواقعية لا يعكس صورة "فوتوغرافية" للواقع (مشهد من فيلم بين السماء والأرض لصلاح أبو سيف)

انتشار الأفلام التي تصور القبح وتبالغ كثيرا في إظهاره، ظاهرة ترتبط أولا بمفهوم خاطئ لدى الكثير من السينمائيين العرب عن الواقع والواقعية، فالبعض يتصور أن الواقعية تعني تصوير القبح بأشكاله المادية التي تتمثل في طرق العيش وأنماط الحياة في قاع المجتمع.

إلّا أن الواقعية مفهوم فكري وجمالي وليست مجرد شكل خارجي، والفكرة التي طرحها رودلف أرنهايم في الثلاثينات، عن الواقعية باعتبارها محاكاة مخلصة للطبيعة، لم تعد قائمة، بل إن أندريه بازان جاء في الخمسينات الماضية ليتجاوزها، مؤكدا أن واقعية الفيلم تعني الصدق في التعبير عن الواقع وتصوير الشخصيات.

وبينما كانت الواقعية في جوهرها، في الفن والأدب، ترفض فكرة البطولة وتعظيم الأبطال، جاءت “الواقعية الاشتراكية” لكي تعيد تطويع الواقعية في الاتحاد السوفييتي لخدمة أيديولوجية الحزب الشيوعي، أي من أجل الإعلاء كثيرا جدا من شأن البطولة الجماعية للطبقة العاملة، ولكن المفارقة أنها رفضت النمط البورجوازي الغربي للبطل في الأفلام (الرومانسية والتاريخية، إلخ.) إلّا أنها أنتجت “البطل البروليتاري”، الاشتراكي، الحزبي، الذي يقود الجماهير، وأضفت عليه سمات إيجابية جعلته يتجاوز حتى البطل الأسطوري!

ارتبطت الواقعية في السينما المصرية بتصوير الحارة الشعبية، أي الطبقات الفقيرة، رغم أن أصل الواقعية كأسلوب فني، هو التعامل مع جميع الطبقات، فالمهم هو الإخلاص في تصوير الواقع، وقد أبرز صلاح أبوسيف في أفلامه، وهو أحد رواد الواقعية في السينما العربية عموما، التناقضات الطبقية والاستغلال الطبقي من دون الاستغراق في تصوير القبح، ولا شك أن “فكر” صلاح أبوسيف كان نتاجا للجدل الذي امتد بينه وبين الكاتب المرموق نجيب محفوظ الذي كتب له أفلامه الواقعية.

وكان صلاح أبوسيف يتعامل بوعي مع شخصيات أفلامه، ويبذل جهدا كبيرا في تطويرها مع كتاب السيناريو والحوار، ويبحث عن الأماكن الفريدة التي تصلح لتصوير شخصياته فيها بحيث تصبح الصورة مقنعة، أي تصل إلينا فنصدقها.

وهذا هو جوهر فكرة الواقعية أي المصداقية، أما الفيلم نفسه فهو لا يحاكي الطبيعة حسب آرنهايم (ومن قبله أرسطو)، ولا يعكس صورة “فوتوغرافية” للواقع، بل إنه في الحقيقة، يخلق عالمه الخاص وواقعه الخاص، هذا الواقع يشكل معالمه المخرج الفنان المبدع، وليس المخرج الحرفي الذي ينفذ السيناريوهات بطريقة آلية ثم ينصرف لتنفيذ فيلم آخر.

أما المفهوم الذي نلمسه ونراه اليوم في عشرات الأفلام التي تظهر في السينما المصرية، فهو يرتبط بتصوير حياة البؤس والقبح، بعد أن أصبحت الواقعية عند مخرجي هذا النوع من الأفلام تنحصر في تصوير حياة الذين يعيشون في قاع السلم الاجتماعي.

وقد نتجت عن هذا التصور فكرة أخرى أكثر خطورة من فكرة الإيهام بالواقع، فالمغالاة في تصوير مناظر البؤس والفقر والتدني الاجتماعي والشقاء وحياة “العشش” والأكواخ والحرمان بكل أشكاله، أنتجت بدورها شكلا مناهضا تماما لأصل وجوهر الواقعية كأسلوب في السينما وفي الفن عموما، أي المناظر الإكزوتية المجردة التي صحيح أنها تصور حياة البؤس ولكن في صورة جمالية مثيرة، ملفتة، تجعل المتفرج يتأوّه، لأنه يرى ما لا يمكنه أن يراه في الواقع بل ولا يتصور وجوده أصلا في الواقع.

هذه “الإكزوتية”، أي الجاذبية البصرية المثيرة، تلفت أنظار المتفرجين بعيدا عن جوهر الصورة أو خارج ما يكمن تحت جلد الصورة، أي حياة البؤس نفسها، بمعنى أنه وبينما يزعم صانع الفيلم أنه يصور قبح الواقع، إلّا أنه في الحقيقة يقوم بتجميله وتعليبه باستخدام التكوينات والألوان وحريّة الكاميرا، ليبدو كما لو يتغزل به بصريا، فيُخرج المتفرج خارج الواقع.

قد تجذب هذه الصورة الموزعين والممولين الغربيين ومهرجاناتهم السينمائية، لكنها لا تؤدي إلى بروز مواهب سينمائية حقيقية، لأن صناع هذا النوع من الأفلام سرعان ما يفلسون، فهم لا يمتلكون فكرا أو خيالا خاصا في تعاملهم مع “الواقع”، بل مجرد قوالب وصور مدهشة لا بدّ أنها ستصيبهم وتصيب المتفرج بالملل.

16