القبضة الإيرانية ترتخي، فهل يجد العراق بديلا في محيطه العربي

الخليجيون والعراقيون يقرون بصعوبة العلاقات رغم أن جهود الوصل صارت جدية منذ قيام وزير الخارجية السعودية عادل الجبير بزيارته اللافتة والمفاجئة إلى بغداد.
الجمعة 2018/08/17
لم تعد له قيمة كبيرة

دفعت التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط عبر تعمّد واشنطن مؤخرا المزيد من تضييق الخناق على طهران إما عبر الانسحاب من الاتفاق النووي وإما عبر تشديد العقوبات عليها، إلى الحديث عن ثنايا جديدة تنذر بأن المنطقة تتجه نحو ميلاد موازين قوى جديدة خاصة في العراق الذي ظلّ منذ غزوه في عام 2003 رهين توجهات الإدارة الأميركية أو الميليشيات الموالية لسياسة طهران، وهو ما يدفع بالعراقيين للتساؤل عن أهمية الدور العربي أو الخليجي في هذه الفترة الحساسة التي تعرف فيها الحروب بالوكالة الإيرانية مطبّات توحي بنهاية نفوذها في المنطقة منذ عقود.

بغداد- يلفت المزاج الشعبي العراقي العام، الذي طرأ في الأسابيع الأخيرة، بشأن طبيعة الموقف من إيران والرغبة الملحّة في سبل استعادة استقلالية البلد عن قبضتها الحديدية، اهتمام دول المنطقة، التي خلقت في السنوات الماضية مسافة بينها وبين ما يجري في العراق، الأمر الذي ترك المجال واسعا أمام تمدّد إيران.

وجاءت العقوبات الأميركية على إيران بمثابة اختبار لمدى صلابة هذا التحول بالنظر إلى الانقسام الواضح بين أغلبية العراقيين وعدد هام من أفراد الطبقة السياسية الحاكمة الموالين لإيران.

وترى الحكومة العراقية أنّ العقوبات الأميركية على إيران خطأ، لكنّها ستلتزم بها، تفاديا لإلحاق الضرر بالمواطن العراقي الذي انتفض مؤخرا ضد الفساد ونقص الخدمات وسوء الإدارة وأيضا ضد الهيمنة الإيرانية على الدولة العراقية.

وقال رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي، إنّ العقوبات الأميركية “ظالمة إلى حد بعيد وأن الحكومة لن تتفاعل معها”، وفي الوقت نفسه قالت الحكومة “سنلتزم بالعقوبات لعدم تعريض العراقيين للضرر”، لأنّ العراق “لا يستطيع الخروج عن المنظومة الدولية الخاصة بالاقتصاد العالمي”.

بهذا الموقف، يحاول حيدر العبادي، الموازنة بين كسب رضا واشنطن، بإعلان الالتزام بالعقوبات، على أمل الحصول على المزيد من الدعم في سعيه لرئاسة الحكومة الجديدة. وفي الوقت ذاته يحاول استرضاء الأحزاب الدينية والمجموعات الشيعية المسلحة، بإعلانه أن العقوبات “ظالمة”، مبرّرا الالتزام بها بالرغبة في عدم الإضرار بمصالح الشعب العراقي.

الرياض وأبوظبي فتحتا أبوابهما للزعيم العراقي  مقتدى الصدر بصفته السياسية وأيضا بصفته الدينية كونه رجل دين شيعيا يسعى للمحافظة على استقلال شيعة العراق عن ولاية الفقيه في إيران

لكن، ماذا لو كان هناك بديل إقليمي يضمن مصالح الشعب العراقي بعيدا عن الهيمنة الإيرانية الشاملة، ويواكب تغير المزاج في الشارع العراقي الذي يتوق إلى كنس كل الفوضى التي تسبب بها الغزو الأميركي في سنة 2003 من إرهاب وتدخل إيراني وعزلة عن المحيط العربي.  عند البحث عن إجابة لهذا التساؤل حول البديل، تتجه أغلب الأنظار نحو الدور العربي، ويتردد صدى سؤال آخر هو “أين دول الخليج، ولماذا لا تقدم بديلا سريعا للعراق؟”.

بدائل إقليمية

لا يبدو أن التغيّر في هذا المزاج يتوقف عن الشارع العراقي، الذي عبّر عن موقفه بصوت واضح عبر نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة كما الحراك الشعبي العام الذي اندلع في مدن الجنوب خصوصا، بل تفصح الأحداث عن وجود تحركات دبلوماسية خليجية تتأمل التطور الحاصل في الداخل العراقي بصفته عاملا مفصليا مساعدا لـ”إعادة العراق إلى الحضن العربي” وسحب البلد من حدائق النفوذ التي تمتلكها طهران في المنطقة.

ومع ذلك، تخفّف مراجع عراقية مطلعة من نسب التفاؤل في هذا الشأن، وتعتبر أن علاقة إيران بالعراق عميقة وجرى العمل الدؤوب على تأصيلها منذ أن ترك الغزو الأميركي للعراق ساحة البلد مفتوحة تماما أمام طهران، بحيث لم يجد العراقيون عامة، والشيعة منهم خاصة، بديلا عن إيران يكون مرجعا وراعيا وداعما لعراق ما بعد صدام حسين.

وغالبا ما يُحمّل المحيط العربي، وخصوصا الخليجي، جزءا من المسؤولية في الابتعاد عن العراق وتركه مستباحا أمام النفوذ الإيراني، إلا أن دبلوماسيين خليجيين يذكّرون بأن مصير العراق بعد عام 2003 كان في يد الولايات المتحدة وحدها، وأن الإجراءات التي اتخذها الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر لتفكيك الدولة العراقية وإقامة مؤسسات عسكرية وأمنية وسياسية جديدة، تضمنت أيضا ضغوطا شديدة من واشنطن منعت تدخل دول الخليج في أمر “العراق الجديد”، وفق رؤية سادت لدى الإدارة الأميركية آنذاك بالتحالف مع الشيعة وتهميش السنة “المسؤولين عن اعتداءات 11 سبتمبر2001”.

رغم ذلك تعتبر جهات عراقية أن دول الخليج استكانت لأمر الواقع العراقي عام 2003 في الوقت الذي عملت فيه إيران على تحويل هذا الأمر إلى “نصر” لم تحققه طوال 8 سنوات من الحرب التي اندلعت عام 1980 بين البلدين.

غير أن حقيقة الظروف العراقية عام 2003 تؤكد على استحالة تمكن الأطراف العربية، لا سيما الخليجية، على تحقيق أي اختراق داخل ذلك العراق المستجد والمتأسس وفق قواعد مذهبية تمنح الشيعة هيمنة على مفاصل الحكم والأمن والعسكر، لا سيما لحزب الدعوة والمجلس الأعلى وفيلق بدر.. إلخ، ملتصقة بأجندة طهران واستراتيجيات الولي الفقيه في مقاربة الشيعة بالعالم الإسلامي.

زيارة لافتة لوزير الخارجية السعودية عادل الجبير إلى بغداد في فبراير 2017
زيارة لافتة لوزير الخارجية السعودية عادل الجبير إلى بغداد في فبراير 2017

ويقول خبراء خليجيون في الشؤون العراقية إن لدول مجلس التعاون الخليجي تاريخا صعبا في العلاقة مع العراق، وأن توتر علاقة دول المجلس مع عراق عام 2003، لا يبتعد عن السياق المعهود من تخوف خليجي من هذا العراق الذي يهدد أمن الخليج.

يذكر هؤلاء أن السعودية أغلقت سفارتها في بغداد عام 1990 وأقفلت الحدود بين البلدين، وأن “التخلص من صدام”، لم يأت بنظام حكم ناضج لفتح صفحة جديدة مع الجوار الخليجي، لا بل إن نظام ما بعد صدام جاء عدائيا متأثرا بأجندات طهران ولطالما كال الاتهامات للرياض بتصدير الإرهاب وتهديد أمن العراق. والظاهر أن انكفاء الخليجيين عن العراق جاء متأسّسا على التسليم بسقوط العراق داخل الحضن الإيراني، وبالتالي التعامل مع بغداد بصفتها خصما بنفس مستوى الخصومة مع طهران.

وأدى فشل محاولات التقارب الخليجي مع إيران، خصوصا في عهد الرئيسين علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، إلى قناعات داخل دول مجلس التعاون بأن يأس التعامل مع الأصل (إيران) لا يمكن الاستعاضة عنه بأمل العلاقة مع الفرع (العراق).

لكنّ باحثين في شؤون المذاهب ينظرون إلى أمر العلاقات الخليجية مع العراق من منظار آخر، حيث يؤكدون أن قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 هيّأ للشيعة العرب مرجعية سياسية كانت غائبة قبل ذلك، وأن هذا الأمر فاجأ النظام السياسي العربي برمته.

ويضيف هؤلاء أن تصريح الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عن “ولاء الشيعة العرب لإيران” عام 2006 وتصريح العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني قبل ذلك عام 2004 عن “الهلال الشيعي” في المنطقة، يعبران عن رؤية النظام السياسي الرسمي في كيفية التعامل مع الشيعة العرب بصفتهم باتوا جزءا من الظاهرة الإيرانية في المنطقة.كما ينبع ارتباك تعامل دول الخليج مع شيعة المنطقة أيضا من خطاب “الصحوة” الذي ساد في السعودية منذ عام 1979 من جهة وتأثر الشيعة بالثورة الإيرانية وخطاب الخميني العابر للحدود من جهة ثانية. ودفع غياب سياسة ناضجة في كيفية التعامل مع المواطنين الشيعة، خاصة بهم، نحو تلبية إغراءات إيران التي تقدّم نفسها مدافعا عن شيعة الأرض.

نحو علاقات خليجية عراقية  جديدة

يقر الخليجيون والعراقيون بصعوبة العلاقات رغم أن جهود الوصل صارت جدية منذ قيام وزير الخارجية السعودية عادل الجبير بزيارته اللافتة والمفاجئة إلى بغداد في فبراير 2017. ويرى دبلوماسيون غربيون أن الجهد السعودي الجديد جاء ليلقى تبدّلا طرأ على الاستراتيجية الأميركية حيال العراق. وتروي مصادر سعودية أن الرياض رحّبت باستقبال وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي في يونيو من نفس العام لـ”رفع مستوى التعاون الأمني وبحث شؤون أخرى تهم البلدين”، وأن العاصمة السعودية تغاضت عن تصريحات الرجل التبريرية لزيارته للسعودية والتي قال فيها إن الرياض طلبت وساطته لإصلاح ذات البين بين السعودية وإيران، وأنها مضت قدما، خصوصا بعد استقبالها لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في أكتوبر من نفس العام، في تطبيع العلاقات وفتح معبر عرعر الحدودي وتنشيط التبادلات التجارية البرية بين البلدين.

وتقول المصادر إن الرياض وأبوظبي فتحتا أبوابهما للزعيم العراقي  مقتدى الصدر بصفته السياسية وأيضا بصفته الدينية كونه رجل دين شيعيا يسعى للمحافظة على استقلال شيعة العراق عن ولاية الفقيه في إيران.

وترى هذه المصادر أن الرياض تقصد أن تكون مداخلها الجديدة باتجاه العراق لا تأخذ أبعادا مذهبية مناصرة للسنة في العراق مقابل سياسة إيران المناصرة للشيعة هناك، وأن الرياض سعت للاستثمار في العراق كما هو دون أي محاولة للعب في توازناته.

تجربة الـ15 عاما الماضية ولدت نضجا عراقيا خليجيا لاجتراح سبل خلاقة لتطبيع كامل يأخذ بعين الاعتبار كافة التحولات الجارية، سواء في العراق أو الخليج أو العالم

وتخلص إلى أن الرياض رأت في نتائج الانتخابات التشريعية العراقية في مايو الماضي إشارة عراقية أخرجتها صناديق الاقتراع تمثل تبرّما من الحالة الإيرانية في البلاد. يعوّل الحريصون على علاقات وطيدة بين الخليج والعراق على عوامل مستجدة متعددة الظروف والتي من شأنها فتح صفحة أخرى مع بغداد.

وبات الخطاب السعودي الجديد منذ تبوَّأ الملك سلمان عبدالعزيز عرش المملكة بات يقدم أرضية لإصلاح علاقة الحكم مع الشيعة في السعودية والمنطقة بما يسحب مبررات التدخل الإيراني لدى شيعة المملكة كما شيعة الخليج. ويضيف هؤلاء أن الإجراءات التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للخروج منذ عهد “الصحوة” في البلاد تؤسس لخطاب معتدل متسامح مع كافة الأديان والمذاهب.

وترى مراجع دبلوماسية خليجية أن الانفتاح على العراق بات نهائيا لا رجعة عنه وأن القيادات العراقية بالمقابل، حتى تلك القريبة من طهران، باتت ترى في التطبيع مع الجوارين العربي والخليجي مصلحة عراقية في الأمن والسياسة والاقتصاد.

وبالمثل، يعتبر مصدر سعودي أن تطبيع العلاقات بين الرياض وبغداد بات جزءا مما تحتاجه رؤية 2030 التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ذلك أن السوق العراقي يمثل منفذا مغريا للمنتجات السعودية وفق خطة تطمح تحت سقف تلك الرؤية إلى تخفيف اعتماد اقتصاد المملكة على قطاع النفط.

ويعترف مرجع عراقي أن زلزال عام 2003 شوّه مسار العلاقات مع المنطقة العربية، وأنه لم يكن باستطاعة بغداد والجوار الخليجي امتلاك أدوات تعاند الأمر الواقع لسقوط نظام صدام حسين، وأن التجربة كانت قاسية خلال الـ15 عاما الماضية وولدت نضجا عراقيا خليجيا لاجتراح سبل خلاقة لتطبيع كامل يأخذ بعين الاعتبار كافة التحولات الجارية، سواء في العراق أو الخليج أو العالم.

6