القبلة عالم واسع من المشاعر والمصالح

القبلة لا تتضمن المعاجم اللغوية المختلفة سوى كلمات بسيطة لتعريفها، وهي ضم الشفتين وملاصقتهما لأي شيء، لكنها في الحقيقة عالم واسع يختلط فيه الخيال بالحقيقة، والمشاعر بالمصالح، وتتصارع داخلها الأمصال بالأمراض.
الخميس 2015/05/14
للقبلات دلالات ومعان تختلف حسب المواقف وطريقة التقبيل

قال عبدالرحمن محمد (أستاذ السلوكيات) لـ“العرب”إن القبلة معناها أن يتقبل أحدنا الآخر في المشاعر والأحاسيس، وقد تكون لبعض كائنات الطبيعة على سبيل الشكر، أو لقطعة خبز أو بقايا طعام في الشارع ينحني عليها أحد المارة ويقبلها ثم يمررها على جبهته ويضعها بجانب حائط، وهناك القبلة للمصحف عند الانتهاء من القراءة منه.

القبلة وجدت منذ آلاف السنين، هذا ما أوضحه محمد صالح، أستاذ الحضارات القديمة لـ“العرب” وهي تعني الإقبال على الشيء، وقديما انتشرت بين العرب الكلمة الفارسية لها وهي “البَوسة”.

وقد تباين مفهوم القبلات من شعب إلى آخر، فعند قدماء المصريين كانت ترمز إلى عطاء الحياة فوجدت القبل الهوائية، حيث يقبل المتعبدون أيديهم ويرموها في الهواء إلى الآلهة.

أما القبلة عند الرومان القدامى كما أوضح محمد عجاج، أستاذ الدراما اليونانية والرومانية، لـ”العرب” فكانت من الظواهر الشائعة اجتماعيا بين الناس باعتبارها تحية، ثم غدت تعبيرا عن الرومانسية وكانوا يقومون بتوثيق عقد الزواج عن طريق قبلة يتبادلها الرجل والمرأة أمام الحضور، فتصبح المرأة بعدها زوجته.

أما في أوروبا إبان العصور الوسطى فقد كانت دليلا على المرتبة الاجتماعية، فقبلة الخد للمتماثلين في المكانة، وهناك قبلة اليد والركبة والأرض، وهو ما يعني تفاوتا في المكانة.

أصدق القبلات هي قبلة الجبين التي نتلقاها بعد الموت فمن يقوم بها يعلم أنه يقبل جسدا بلا روح

التقبيل في فرنسا بدأ بقصة طريفة، حسب ما قالت عزة سليم، باحثة في التاريخ الحديث، لـ“العرب”، موضحة أن الملك لويس الثالث عشر كان يقبّل كلّ امرأة في نورماندي بحجة منحها البركة الملكية، وبعد ذلك اشتهرت “القبلة الفرنسية” بأنها الأكثر حرقا للسعرات الحرارية، لذلك يمارسها البعض لتساعدهم على خفض الوزن.

وقال الدكتور محمد عبدالواحد، أستاذ الطب النفسي، لـ“العرب” إن للقبلات دلالات ومعان تختلف حسب المواقف وطريقة التقبيل، فهناك قبلة التقديس كتقبيل الحجر الأسود، وقبلة المحبّة في العلاقة الزوجية، وقبلة الأمومة كتقبيل الآباء لأبنائهم، وقبلة الاحترام تطبع على الجبين تقديرا وعرفانا بالجميل، وإذا طبعت على الخد تعني الاعتزاز، وقبلة القدم تعبر عن الخضوع والإذلال.

أما قبلة الحياة كما يقول عبدالواحد، فقد عرفت منذ القدم وهي عندما يتوقف تنفس الإنسان، إذا غرق أو فقد الوعي وتكون القبلة بمثابة التنفس الصناعي لإنقاذه.

وقال خالد محمود (ناقد فني) لـ“العرب” إن أكذب القبل هي قبلة التمثيل لأنها تجري بين بطلين تحت الأضواء، وكانت أول قبلة في الأفلام العربية في فيلم “العزيمة” الذي أنتج عام 1939.

أصدق القبلات هي قبلة الجبين التي نتلقاها بعد الموت، هذا ما أكده محمد علي، باحث أزهري، موضحا لـ“العرب” أن من يقوم بها يعلم أنه يقبل جسدا بلا روح، لذلك فلا مجال فيها للنفاق ولا الرغبة، ومن المفارقات أنه في الغالب يقبل الطفل حديث الولادة من جبينه أيضا تحاشيا لنقل أي فيروس معد له إذا تم تقبيله من فمه.

قبلة الحياة عرفت منذ القدم وهي عندما يتوقف تنفس الإنسان، إذا غرق أو فقد الوعي وتكون القبلة بمثابة التنفس الصناعي لإنقاذه

علي فتحي (سائق تاكسي) اعتاد منذ بدء عمله على تقبيل أول أجرة يحصل عليها كل يوم، فشكر النعمة التي أعطاها الله له يزِيدها أو على الأقل يحفظها ويبارك فيها.

نعم الله لا بد من تقبيلها حتى لا تزول من وجوهنا هذا ما يعتقده صالح إمام (عامل) الذي رأيناه يرفع قطعة خبز من الأرض ليقبلها فبرر ذلك أنها نعمة من عند الله ينبغي أن تصان عن الامتهان والاحتقار ومن لا يفعل ذلك سيلاحقه سوء الحظ.

أما عم جمال (ساع بإحدى المؤسسات الصحفية) الذي اعتاد تقبيل المصحف بعد القراءة منه فيفعل ذلك تكريما لكلام الله عز وجل، مضيفا أنه كان يتردد في فعل ذلك من قبل حتى سمع بالفتوى التي أصدرتها لجنة أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية في يناير الماضي أجازت فيها تقبيل المصحف الشريف تعظيما لشأنه، وتقديرا لحرمته.

وقال نادر برسوم (باحث قبطي) لـ”العرب” إن أشهر قبلة بالدين المسيحي كانت قبلة يهوذا الأسخريوطي للسيد المسيح، عندما أراد الرومان القضاء عليه، فوجدوا يهوذا وساوموه ودفعوا له وقال لهم: إن الشاب الذي سوف أعانقه وأقبله هو المسيح.

ويوضح برسوم أن القبلة المسيحية من طقوس الكنيسة في العصور الوسطى، وكان هناك “قبلة السلام” التي يمنحها الكاهن للمريض لكنها اختفت في عصر النهضة، واليوم يقتصر التقبيل على الرموز الدينية مثل تقبيل يد البابا والقساوسة للتبرك، أو تقبيل الصليب.

القبلة وجدت منذ آلاف السنين، وتعني الإقبال على الشيء، وقديما انتشرت بين العرب الكلمة الفارسية "البوسة"

وقالت أمل وجيه (مصرية مقيمة بإيطاليا) لـ“العرب” إن الأوهام الشعبية لا تقتصر علينا، فكما أن لدينا اعتقادا بأن تقبيل العين نذير فراق، توجد عند الطليان أيضا معتقدات عن القبل مثل “إذا عطست يوم الثلاثاء فإنك ستقبّل شخصا غريبا”، وأنه “إذا تبادل رجل واقف القبلات مع امرأة جالسة فإنهما سيتشاجران”.

ورغم أن جمعية مصرية باسم (لا قبلات بعد اليوم) نادت بتحريم التقبيل ومنعه نهائيا بعد تأكيد العديد من الأبحاث العلمية على أنها سبب أمراض خطيرة، كانتشار العدوى الفيروسية والميكروبية والأمراض الجلدية حيث يمتلئ الفم بالبكتيريا، وحينما يقوم شخصان بتقبيل كل منهما للآخر فإنهما يتبادلان ما بين 10 مليون إلى واحد بليون خلية بكتيرية تنقل حوالي 200 مرض.

لكن الشائع أن التقبيل يطيل عمر الإنسان فهو عامل هام لتخفيف التوتر وضبط ضغط الدم، وفي دراسة قام بها الدكتور آرثر زابو وعلماء النفس الألمان تبينوا أن الأزواج الذين يقبلون زوجاتهم قبل مغادرتهم صباحا إلى العمل هم أكثر سعادة وأفضل صحة وأعظم إنتاجا، ويمكن أن يعيشون عمرا أطول.

21