القبيلة المصرية والتحالف مع النظام: التنمية مقابل الأمن

تختلف درجات التأثر بأشكال ما قبل المدنية في الدول العربية من منطقة إلى أخرى، ففي العراق تعد العشيرة محددا أساسيا في حياة الناس اليومية، وفي اليمن تمثل القبيلة المرجع الأول قبل الدولة. كذلك في مصر، فرغم التاريخ الطويل من الثورات والتغيرات السياسية فإن القبيلة لا تزال إلى اليوم محورا مهما في تعامل الأنظمة مع الواقع، حيث تقوم القبيلة بضبط إيقاع الاستقرار الاجتماعي والأمني، ولكن بشرط توفير التنمية.
الخميس 2016/09/29
طاولة النقاش لا تكتمل إلا بالحضور القبلي

القاهرة - لم تثبت التحولات التي تعيش على وقعها المنطقة العربية في السنوات الأخيرة أن مظاهر “المجتمع القبلي” وتأثيراته لا تزال نافذة المفعول في أكثر المجتمعات العربية تمدّنا، فحسب، بل كشفت أيضا أن هذه “الأنظمة الحاكمة المصغرة” راسخة أكثر من نظام الدولة ذاته، وهي تتميز بقدرة التأقلم مع كل تطور، فهي في صف النظام عندما يكون قويا، وضدّه أو “حاكمة نفسها” عند الحاجة.

ولعلّ أكثر مثال يؤكّد أن القبيلة سلطة لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها محاولة الأنظمة استمالتها وكسب ثقتها، حيث يستند المجتمع في الكثير من سلوكياته إلى قيم القبيلة التي لم تعد مجرد وحدة اجتماعية منغلقة على ذاتها وأفرادها، بل أضحت قوة يعتمد عليها رسميا، لحفظ البنية الرئيسية للمنطقة التي تعيش فيها.

وتختلف ممارسات هذه القوة وأدوارها باختلاف الدولة ونظامها ومجتمعها، حيث نجدها في اليمن والعراق ذات تأثير سياسي وعسكري، فيما تلعب القبيلة في مصر دورا اجتماعيا وأمنيا، ولها سلطة لا يستهان بها في تأمين المنشآت والحدود وفرض سيطرة الدولة على البعض من المناطق الصحراوية والجبلية الشاسعة، التي قد تستخدمها التنظيمات المسلحة لتهريب المخدرات أو الأسلحة، أو حتى احتواء الإرهابيين.

وخلافا للقبيلة أو العشيرة في ليبيا واليمن والعراق، حيث انقسم ولاؤها وفق التوجهات السياسية، وفي غياب غطاء سياسي موحد الرؤى، سارت القبائل المصرية على نفس خط النظام ودعمته أمنيا، مثلما سبق أن دعمته سياسيا في الانتخابات، مقابل ذلك حافظت القبيلة على نفوذها.

وتعتمد مصر على القبائل والعشائر في المحافظات الحدودية بصفة خاصة، سواء تعلق الأمر بمحافظة مرسى مطروح الواقعة على الحدود الغربية مع ليبيا، أو محافظتي شمال وجنوب سيناء، المتاخمتين لحدودها مع فلسطين والأردن وإسرائيل، ومحافظتي البحر الأحمر وأسوان، الواقعتين على الحدود الجنوبية مع دولة السودان.

أدوار أمنية متصاعدة

ما أعطى القبائل الحدودية ثقلا ونفوذا أكثر، أنها ترتبط بعلاقات قرابة ومصاهرة مع قبائل الدول المجاورة، مثال ذلك أن القبيلة الرئيسية التي يمتدّ نفوذها على جانبَي الحدود المصرية الليبية، وتؤثّر في شؤون البلدين، وهي أولاد علي، وتعتبر مجتمعا بدويا في صحراء مصر الغربية، يصل عدد أفراده إلى ما يقرب من 750 ألف شخص، وتتألف من أعداد أقل نسبيا في شرق ليبيا، يرتبط أفرادها بعلاقات مصاهرة مع قبيلة “العبيدات” القوية في ليبيا. واستفادت السلطات المصرية من ذلك، سواء في ضبط الحدود مع ليبيا، أو من خلال الاعتماد على القبيلة بعلاقاتها في حل أزمات المصريين هناك.

وتم الاعتماد على قبائل محافظة مرسى مطروح، بصورة خاصة، في المفاوضات التي جرت أواخر عام 2013 للإفراج عن سائقي الشاحنات المصريين الذين اختطفوا في ليبيا. وجرى حل المشكلة في نهاية المطاف عبر تدخل وجهاء القبائل على جانبَي الحدود.

ولعبت قبائل سيناء تحديدا، على مدى السنوات الماضية أدوارا أمنية متصاعدة في مواجهة التنظيمات والجماعات المتطرفة. وبدت هذه الأدوار بارزة بعد التفجيرات التي وقعت في مدينة طابا عام 2004، وبعدها في مناطق رأس الشيطان ونويبع ودهب وشرم الشيخ، حيث أعلن وجهاء القبائل آنذاك رفع الغطاء أو الحصانة القبلية عن العناصر المخربة والمتطرفة.

التقارب القوي بين أجهزة الأمن والقبائل الحدودية يصل إلى حد السماح لكل قبيلة بتأمين منطقتها

ورصدت “العرب”، خلال جولتين قامت بهما في محافظتي مرسى مطروح وشمال سيناء، أن العلاقة بين القبائل وأجهزة الدولة -خاصة الأمنية بشقيها؛ العسكر والشرطة- قوية للغاية.

وقال عمر راجح، شيخ قبيلة بني موسى، بواحة سيوة، التي تبعد عن الحدود المصرية الليبية نحو 80 كيلومترا، إن التعاون مع أجهزة الأمن “واجب على كل شيوخ القبائل”، وهذا لا يرتبط بنظام سياسي معين، بل إن ذلك يستمر ويمتد مع جميع الأنظمة الحاكمة التي تعاقبت على مصر، لأن الهدف حماية الوطن وليس النظام.

وتعني القبلية عند راجح “زمام الأمن والأمان” في المناطق التي تسيطر عليها القبائل، فهناك عادات وتقاليد وأعراف لا يمكن لأي شخص أن يتجاوزها أو يعمل ضدها، وهناك قوانين عرفية وقبلية صارمة تحكم الكبير قبل الصغير داخل القبيلة، والمخالف لهذه الأعراف والتقاليد يعاقب فورا، ويحاسب بحجم الخطأ الذي ارتكبه.

لذلك، فإن هذا الأمن الذي تنشده القبيلة لنفسها، وتطبقه القبائل المجاورة لها، يجعل أفراد القبائل يعرفون بعضهم البعض معرفة تامة، ولا يُسمح لأي شخص غريب (جهادي، متطرف، إرهابي) عن هذه القبائل بأن يوجد بينهم، أو ينخرط في حياتهم، لأن أبناء القبائل، بحسب عمر راجح، يعرفون بعضهم البعض “تمام المعرفة”، وكل من هو غريب عنهم يكون محل شك، ويجري الإبلاغ عنه لدى الجهات الأمنية.

في المقابل، تنظر أجهزة الدولة المختلفة للقبائل الموجودة في الحدود على أنها خط الدفاع الأول للحفاظ على الأمن القومي للبلاد، لا سيما أن أجهزة الأمن، مهما تعاظمت قدرتها، لن تتمكن من السيطرة على المجالات الجغرافية والديمغرافية الوعرة في المناطق الحدودية.

ووصل التقارب القوي بين الأجهزة الأمنية للدولة والقبائل الحدودية إلى حد أن أصبحت كل قبيلة تقريبا مسؤولة عن تأمين المنطقة التي تقع في نطاقها، ومثال ذلك أنه في وسط سيناء تنتشر قبيلتا الأحيوات والتياها، اللتان تسهمان في حماية مناطق الوسط، وخاصة الحدود الممتدة مع إسرائيل حتى طابا، أما منطقة جبل الحلال فتقتسم مسؤوليتها كل من قبيلتي الترابين والتياها.

وتقع المسؤولية الكبرى في مرسى مطروح، على الحدود البرية الغربية، على كاهل قـبـائل وعشائر أولاد علي، التي تتفرع إلى قبيلتين كبيرتين هما علي الأبيض، وعلي الأحمر، وهناك أيضا قبائل البراهمة من أولاد أبوضيا وقبيلة الحفيان من أولاد منصور، فضلا عن قبائل السناقرة، والقطعان وحبون.

أما الحدود المصرية الجنوبية، فتتولى حمايتها والسيطرة عليها قبائل الجنوب بمحافظة البحر الأحمر، وأهمها الباجا السامية والهنادوة والرشايدة، على طول ساحل البحر الأحمر.

وتعتمد عليها أجهزة الأمن في عمليات رصد واستطلاع الشواطئ والمدقات الجبلية والصحراوية. وفي أقصى الجنوب، على الحدود المصرية السودانية، توجد قبائل العبابدة والهوارة والرزيقات والمساليت والزغاوة والبشاريين، فضلا عن قبائل المحس والنوبيين بين مصر والسودان في منطقة وادي الخريس، وهو ممر يصل بين الحدود المصرية والسودانية بالنوبة.

القبائل مهمة لفرض الأمن

رمانة الميزان

يرى اللواء أحمد رجائي، الخبير العسكري، مؤسس فرقة مكافحة الإرهاب في القوات المسلحة، أن القبائل التي تسكن المحافظات الحدودية تمثل لأجهزة الأمن “ضلعا حيويا يصعب اختراقه أو استقطابه، وما يميزها أنها تتعامل مع أجهزة الأمن المختلفة من أجل حماية الأمن القومي للبلاد”.

وأضاف لـ”العرب” أن الثورة الليبية جعلت أهم قبيلة على الحدود الغربية، وهي أولاد علي، ترتبط أكثر بالدولة المصرية، حيث أن العقيد الراحل معمر القذافي كان منحهم مزايا عديدة لاستقطابهم لصالحه، ومع قيام الجيش المصري بزيادة الاعتماد عليهم في تأمين الحدود وإقامة مشروعات تنموية في الصحراء، انخرطوا بشدة في الشأن المصري.

ورأى أن الدور الأكثر أهمية للقبيلة، وتحديدا في سيناء، بسبب العناصر المسلحة هناك، هو العنصر المعلوماتي، الذي يجعل أجهزة الأمن مسيطرة تماما على الوضع في المناطق الحدودي.

وحسب عبدالحميد زايد، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم، فإن القبيلة مهما كبرت أو تشعبت “تظل مجتمعا صغيرا”، يمكن السيطرة عليه والتعامل معه بسهولة، كما أن العادات والتقاليد الصارمة التي تحكم هذا المجتمع، لو جرى تطبيقها على المجتمع الكبير “مصر”، لما شهدت تقلبات أو صراعات أو “خروجا عن النص”، لذلك تظل القبيلة في نظر الدولة “رمانة الميزان ومثالا للانضباط” على الحدود.

وأضاف زايد، في تصريحات لـ”العرب” حول تطور دور القبيلة في المجتمع المصري على ضوء المتغيرات السياسية والأمنية والاجتماعية، أن هناك علاقة منفعة متبادلة بين الحكومة ممثلة في أجهزة الأمن وبين القبائل، وهذا هو أساس التواصل بين الطرفين، فالقبيلة تتعهد للحكومة بحفظ الأمن والحدود والقيام بدور “الرقيب الوطني” في غياب أجهزة الأمن، مقابل أن تقوم الحكومة بتوفير الخدمات والتنمية في هذه المناطق.

لذلك، ليس غريبا أن تجد رئيس الجمهورية أو وزير الدفاع أو المحافظ (أعلى مسؤول محلي)، دائمي اللقاء مع المشايخ و”العواقل” (مصطلح يطلق على مجموعة من الأفراد تختارهم كل قبيلة لمعاونة شيخها) لوضع خطط تأمين الحدود، ولا يمكن لمسؤول أن يتخذ قرارا من شأنه أن يؤثر في محافظة حدودية دون استشارة زعماء القبائل فيها.

7