القبيلة والدولة والمواطنة: سجال البحث عن مخرج للأزمة الليبية

أفق المواطنة الليبية وأزمة بسط السيطرة الحكومية على كامل الأراضي، كذلك تأثير وتأثر المحيط الإقليمي لليبيا (خاصة تونس ومصر) بتطورات الأزمة الليبية، مثّلت هذه العناصرُ المَحاورَ الرئيسية لندوة المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والأمنية والعسكرية بتونس. وحضر الندوة عدد من الشخصيات الليبية والتونسية والمصرية والجزائرية لتوضيح هذه المحاور والحديث فيها بتعمق، والتركيز على التفكير في الحلول المطلوبة، عاجلا وآجلا، لإنهاء حالة الحرب والفوضى في ليبيا.
الخميس 2016/05/05
سلطة لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها

تونس – يقول العجيلي البريني، رئيس المجلس الأعلى للقبائل الليبية، إن “القبيلة في ليبيا جزء من الحل للأزمة الراهنة”، فيردّ عليه الباحث التونسي منصف وناس، المتخصص في الشأن الليبي، معترضا “للأسف، القبيلة في ليبيا جزء من نظام يجب العمل على زواله”. كان هذا جزءا من الجدل الذي دار بين الشخصيات التي حضرت الندوة الدولية التي نظّمها المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والأمنية والعسكرية في تونس، والتي كان محورها “المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية ودوره في احتواء الأزمة داخليا وإقليميا”.

وتستمدّ هذه الندوة أهميتها من سياقها الزمني والتطورات الحاصلة في الملف الليبي، وأيضا من أهمية موضوعها الذي يسلّط الضوء على طرف رئيسي في أي محاولة للبحث عن حلّ للخروج من الأزمة الليبية، فليس هناك من طرف أقدر على التأثير في الليبيين أكثر من شيوخ القبائل، وهو الأمر الذي تفطّن إليه لاعبون إقليميون، منذ بداية الأزمة في ليبيا، فعملوا على كسب هذه الورقة بما ساهم في دعم الفوضى وتعطيل الحل.

وفي تقديمها للندوة قالت بدرة قعلول، رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، “مع تعثر الرئاسة التونسية في صياغة موقف واضح من التدخل العسكري في ليبيا يسعى المجتمع المدني إلى مزيد توضيح الأمر للسلطة عبر دعوة كل الأطراف الليبية إلى اللقاء في تونس”.

وبيّنت قعلول أن تطور الوضع في ليبيا، والخطر الذي يشكله على الجوار، بات يتطلب أكثر من أي وقت مضى العمل على الخروج من مجرد تشخيص الوضع في ليبيا والسؤال عن وجود تدخل أجنبي من عدمه، إلى التركيز على الحوار بين مختلف مكونات المجتمع الليبي، وعلى رأسها القبائل التي تعتبر من أكثر الأطراف تأثيرا في المجتمع الليبي وتتمتع بسلطة، تاريخية واجتماعية، لا يمكن تجاهلها.

المحور الذي تقوده تركيا وقطر يسعى إلى تغذية المجموعات الجهادية لبث الفوضى، والفوضى تؤدي إلى التقسيم

القبائل وتركيا والإسلام السياسي

قال العجيلي البريني لـ”العرب” “إن كل المصائب التي تعيشها القبائل الليبية الآن مصدرها الإسلام السياسي، أو بالأحرى لنقل محاولات أسلمة الصراع. ولا يمكن تجاوز هذه المعضلة إلا بترك السياسة للسياسيين والدين لرجال الدين وإنهاء الصراع القبلي الذي يغلفه كثيرون للأسف بطابع ديني”.

بهذا التصريح أراد البريني أن يضع مشكل الصراع القبلي في ليبيا في “مستواه الحقيقي”؛ فتأسيس نظرية سلطة في ليبيا، حسب رأيه، تقوم على صراع ديني سياسي موهوم (نظرا لطبيعة المجتمع الليبي الخالية من أي تنوع ديني أو طائفي أو مذهبي). ويعتبر الهدف الرئيسي للأطراف التي تصارع من أجل عدم استتباب الأمن والتي تعمل على تقسيم البلاد شرقا وغربا، كأجزاء مستقلة لصالح الإرهاب وضد سيادة الدولة.

وأكد البريني هذا التحليل بقوله إن ظاهرة تسرب المحاور الدولية داخل ليبيا بدأت في التفشي منذ أكثر من سنتين، موضحا أن “المحور الذي تقوده تركيا وقطر يسعى إلى تغذية المجموعات الجهادية بالمال والسلاح والأشخاص للفوضى، والفوضى تؤدي إلى التقسيم”.

وجدّد رئيس المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية، خلال حديثه، التأكيد على موقف المجلس الرافض لحكومة الوفاق الوطني التي تعمل “بوصاية أجنبية” واتهم هذه الحكومة بالعمل وفق أجندات خارجية.

وتأسس المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية في مايو 2004، إثر إجتماع لعدد كبير من ممثلي القبائل والمدن الليبية في طرابلس ويعتبر نفسه صاحب دور سياسي فاعل في بناء الدولة وتجاوز أزمتها السياسية خصوصا أن المجتمع الليبي مجتمع قبلي بالدرجة الأولى.

والعمق الذي يجب فهمه في هذا السياق هو أن القبيلة في ليبيا تعد جزءا من البنية الاجتماعية ـ السياسية التي تتحكم في مسار البلاد منذ سنين طويلة جدا. ولم تستطع الأنظمة المتعاقبة والاستعمار (الإيطالي والفرنسي) تغيير تلك الطبيعة، بل إن الاستعمار في وقت من الأوقات سعى إلى تثبيتها والتعويل عليها في نشر قوته وبسطها ميدانيا وقمع المقاومة. وحتى إعلان الجماهيرية مع معمر القذافي لم يغير ذلك الواقع.

القبيلة يجب أن تصوغ مهماتها في إطار فكرة الدولة الليبية

لكن الأمر يصبح مدعاة للتساؤل السياسي حين تتسرب المحاور الدولية لتأبيد هذه البنية، فتصبح القبلية خيارا مفروضا من الخارج وليس نابعا من إرادة الليبيين أنفسهم، “فالقبيلة واقع علينا الحفاظ عليه، لكن في إطار السيادة الليبية”، حسب تصريح البريني لـ”العرب”.

ونفس الموقف عكسه محمد عمر، عضو التجمع العالمي من أجل ليبيا موحّدة وديمقراطيّة (مستقل) الذي عبّر عن رفض التجمع لحكومة الوفاق. وقال على هامش الندوة “لا نرى أن هناك حكومة نشأت عن مجتمع ليبي حتى ندعمها”.

واعتبر أن حكومة الوفاق انبثقت عن اتفاق وقع عليه ممثلون عن 10 بالمئة من اللّيبيين وبعض الأطراف المتصارعة سياسيّا وعسكريا على الأرض الليبية. وأضاف “كقبائل نرفض الوصاية على ليبيا، فنحن غير قاصرين ووطننا ينادينا وسنلبي نداءه”.

خالد الغويل، المنسق العام للشأن الليبي لدى المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والأمنية والعسكرية، وصف بدوره اتفاق الصخيرات بـ”المبتور” بسبب عدم مشاركة القبائل فيه وهي المكون الاجتماعي المهيمن على المجتمع الليبي. وقال إن القبائل الليبية تلعب دورا كبيرا في رأب الصدع والقضاء على الفتنة والأجندات الخارجيّة، وفي إطلاق حوار مجتمعي ليبي حقيقي.

القبيلة ضد الدولة

“أصبحت القبيلة الليبية مساحة للتناحر على السلطة، وطرفا فيه”، بهذا التصريح أجاب الباحث التونسي منصف وناس عن سؤال “العرب” حول جدية الحديث عن مخرج للأزمة الاجتماعية الليبية عبر آلية المصالحة بين القبائل. وأكد وناس أن المقاربة التي ترى في القبيلة الليبية بوابة للحل السياسي عليها أن تراجع نفسها، “إذ يجب أن نضع في الحسبان تفكك الدولة الليبية، إذ لا يمكن للقبيلة وحدها أن تساهم في إخراج ليبيا من مأزقها، فالقبيلة يجب أن تصوغ مهماتها في إطار فكرة الدولة الليبية”.

ويشير الباحث التونسي إلى أن القبيلة في ليبيا ليست مهيأة تاريخيا لخوض تجربة الاقتراب من السلطة، بل إن القبيلة طيلة التاريخ السياسي الليبي كانت بنية يتشكل من خلالها النظام وليست هي النظام. ولعل زج هذه البنية الآن في لعبة المحاور الدولية سوف يجعل من الصراع “كابوسا دائما” لأن الدول الكبرى إقليميا وعالميا ليست لها حدود في المطامع. ويدعم وناس كلامه بالمثال الفرنسي؛ إذ يؤكد أن “الفرنسيين اليوم ينتشرون بكثافة في قبائل فزان في الجنوب الليبي، لأن تلك القبائل هي فم مفتوح على بلدين مهمين بالنسبة إلى فرنسا وهما تشاد والنيجر”.

الحديث عن مكانة القبيلة الليبية كجزء من الحلول العملية لتجاوز المرحلة الراهنة، يضع السياسيين والباحثين أمام ضرورة عدم الفصل المنهجي بين القبيلة والمجتمع السياسي في ليبيا، فالعلاقة الجدلية بين المستويين تؤدي إلى جعل القبيلة نقطة تمويل للمجتمع السياسي بالبرامج والكفاءات والعناصر. وتعتبر في هذا السياق عنصرا مساعدا على تأطير الجهد السياسي واستدعائه في المكان المناسب واللحظة المناسبة شرط أن تخلو القبائل في ما بينها من الصراع.

وفي ذات الحين، فإن دور المجتمع السياسي تجاه القبيلة يجب أن يكون متمحورا حول “تسييس من يريد التسيس من الأفراد وإلحاقه بمجال العمل الوطني المدني والسياسي، دون الإبقاء على أي دور سياسي باسم القبيلة”، حسب تصريح منصف وناس.

ومن الصعب الوصول إلى هذه المعادلة الجدلية في الوقت الراهن، نظرا لحدة التوتر التي يعيشها الليبيون سواء في مواجهة الإرهاب وتنظيماته، أم في مواجهة الخلافات السياسية بين الفرقاء الذين عجزوا إلى حد الآن وبعد طول مفاوضات عن الوصول إلى صيغة نهائية لحكومة وحدة وطنية.

وهذا ما يفتح الباب أمام التساؤل حول الجهود المبذولة لتهدئة الوضع بين القبائل على الأقل.

يقول أيوب مختار الشرع، الباحث الاجتماعي الليبي، لـ”العرب” إن “القضاء على التناحرات القبلية الآن يجب أن يخضع لسياق عام وشامل”. ويفسر الشرع ذلك بالتأكيد على أن الحل الأول والأساسي في إعادة الأمور إلى نصابها هو القضاء على الإرهاب بكل أشكاله وعلى القائمين عليه ومموليه، “فالإرهاب هو المغذي الأول لأعمال الانتقام بين القبائل وهو الأداة التي من خلالها تتحول الصراعات إلى نزاعات مسلحة تزيد من تعقيد الأمور وتحوّل أي خلاف إلى قتال”.

الحرب على الإرهاب ليست عملية تأتي من فراغ، فالإرادة السياسية الجادة في القضاء عليه تعد شرطا رئيسيا يجب أن تستجيب له كل الحكومات والأطراف التي تريد التفاوض حول اقتسام السلطة أو المشاركة فيها.

في هذا السياق يؤكد العجيلي البريني أن “الحكومات التي تتشكل بين الفينة والأخرى لا يمكن لها أن تكون جادة في الحرب على الإرهاب نظرا لأن بعض الأطراف التي فيها ترعى الإرهاب، وهي متمسكة بمحاور خارجية لها مصلحة في وجود جماعات تكفيرية متطرفة في ليبيا”.

وتطرح هذه التصريحات مستوى آخر من التعقيدات المترابطة بين ما هو ميداني بوجود العناصر المتطرفة المسلحة وبين ما هو سياسي بوجود أطراف سياسية تمثل غطاء لتلك العناصر. ويظهر الأفق غامضا عندما يضاف إلى هذا الواقع إشكال فشل الأطراف الدولية والطرف الأممي في إيجاد مخرج للأزمة، حيث الأولويات مختلطة وليست واضحة في ذهن أي جهة ليبية، فالكل له أجندة مرتبط بها ومجموع القوة في كل هذا هو صفر حسب ما يؤكده خبراء، إذ لا توجد قوة سياسية في ليبيا قادرة على الحسم في بعض الملفات الشائكة أو تكوين أجندة أولويات تقود إلى مخرج.

الحرب على الإرهاب ليست عملية تأتي من فراغ، فالإرادة السياسية الجادة في القضاء عليه تعد شرطا رئيسيا

هذا التحليل زاده الباحث الليبي أيوب مختار الشرع عنصرا آخر مهمّا وهو “التفكير في الأجيال القادمة”.

وأكد الشرع لـ”العرب” أن المعضلة الآن تكمن في أن التاريخ سوف يكتب عن “جشع القبائل في الاستحواذ على السلطة والثروة دون التفكير في المستقبل”، وأضاف قائلا “هذه مرحلة استثنائية وحرجة، وسوف تمر، وما يجب الوقوف عنده كخطوط حمراء هو الدولة الليبية وسيادتها لأنهما قيمتان لا يملكهما أحد بل هما من أملاك أجيال مضت وأخرى سوف تأتي”.

الجيش الليبي

أكد مدير المكتب الإعلامي للمنسق العام للقوات المسلحة الليبية مصطفي زيدان لـ”العرب” أن الجيش الليبي بصدد الانتشار على كامل الأراضي في البلاد “رغم بعض الصعوبات التي يعترضها في بسط النفوذ الرسمي للدولة في العديد من المناطق”. ويشير زيدان إلى أن القوات المسلحة الليبية ستعلن في القريب العاجل عن إجراءات جديدة للتنسيق مع الجانب التونسي في تأمين كامل للحدود المشتركة من جهة الغرب.

وقد أشار زيدان في سياق تصريحاته إلى مسألة هامة وهي أن القيادات العسكرية الليبية تقوم في كل فترة بقراءة توازنات القوى الدولية المعنية بالشأن الليبي وتقوم بتصنيفها وفق معايير واضحة “إما مع الليبيين أو ضدهم”.

وأضاف أن “هذا التصنيف سوف تكون له انعكاسات على طبيعة السياسة الخارجية الليبية وتحديد مواقفها الدبلوماسية من المحاور التي تساعد على مخرج ليبي أو تلك المحاور التي تزيد الأمور تعقيدا خدمة لأجنداتها الضيقة على حساب الشعب الليبي”. وركز زيدان على تركيا وقطر من جهة وأوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى، مؤكدا أن “لحظة العودة إلى الرشد قد اقتربت وكل طرف سوف يتحمل مسؤولية تصرفاته تجاه ليبيا سواء بالسلب أم بالإيجاب”.

الناتو مستعد ولديه تفويض لمساعدة حكومة الوفاق الوطني في ليبيا إذا طلبت الحكومة رسميا مساعدة الحلف

ولم يخف مدير المكتب الإعلامي حاجة الجيش الليبي إلى التسلح، مؤكدا أن القنوات الشرعية الليبية الآن تطلب المساعدات العسكرية من كل الأطراف التي يعتبرها الجيش حليفة أو صديقة. وأشار زيدان إلى أن جزءا كبيرا من الضباط الليبيين الآن يتواصلون مع الجيش المصري لتلقي التدريبات الضرورية والتكوين من أجل تعزيز قوة الدولة على أرض الواقع.

وفي هذا السياق ينبه الصحافي المصري خالد سليمان، المتخصص في شؤون المغرب العربي، إلى ضرورة الحفاظ على أمل إيجاد الحلول بين الليبيين أنفسهم وبشكل داخلي، خاصة وأن تصريحات قيادات في حلف شمال الأطلسي أشارت في الأيام الماضية إلى وجود “تفويض للقيام بحملة عسكرية في ليبيا”، متسائلا عن الجهة التي فوضت الناتو للقيام بذلك خاصة وأن مجلس الأمن لم يجتمع للحديث في الأمر.

وقد صرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس شتولتنبرج لصحيفة لوفيغارو الفرنسية بأن الناتو “مستعد ولديه تفويض لمساعدة حكومة الوفاق الوطني في ليبيا إذا طلبت الحكومة رسميا مساعدة الحلف”.

تعدّى الصراع في ليبيا في تعقده وامتداده خطوط الانقسام الداخلي ليكتسب امتدادات دولية وإقليمية زادت في وتيرته عوض التخفيض من حدته، وهو اليوم أبعد من أن يختزل في حالة استقطاب مدني–ديني، لأن استخدام السلاح أصبح يتجاوز في أضراره التجانس القبلي والمناطقي والمصلحي داخل كل معسكر، الأمر الذي يفرض على جميع فرقاء المشهد الليبي الراهن أن ينهوا التشرذم ويتحمّلوا، كلّا من جانبه وموضوعه، قدرا من المسؤولية على ما يجري اليوم في البلاد. والجميع مقتنع بأن الأوان قد آن للبحث عن الحلول الكفيلة بتجاوز هذه الأوضاع الصعبة وإعادة الأمل إلى ليبيا دون إرهاب ودون انقسامات.

وتجمع كل الأطراف التي تدخلت في ندوة المركز الدولي للدراسات الأمنية والعسكرية على أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال القبول بدور سلبي للقبيلة في ليبيا من قبل الليبيين أنفسهم، فالأمر أشبه بإصلاح مكونات الجهاز وعلاقاته ببعضه البعض حتى تعمل الآلة ككل، وذلك هو حال جهاز الدولة الليبي الذي يخضع في هذه الأثناء إلى عملية إصلاح من الضروري أن تكون متقنة وإستراتيجية لأن الأمر لم يعد يحتمل أي أعطاب أخرى.

6