القتلة في العراق يحملون وجوه الأحذية

السبت 2015/01/31
الأشرطة والسحابات وبعض المعادن أهم أدوات عقيل خريف لرسم مقاتلي "داعش"

بغداد- بطريقة فنية مبتكرة حوّل فنان عراقي الأحذية البالية والنفايات إلى وجوه تمثل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في بلاد الشام، مجسدا بشاعة هؤلاء الإرهابيين وسلوكياتهم.

في منزله الكائن في شرق بغداد الذي أصبح مشغلا ينجز فيه أعماله، يجلس عقيل خريف على سجادة حمراء اللون تحيط به جدران علقت عليها وجوه سوداء صنعت من أحذية بالية ونفايات، لتجسيد “بشاعة” تنظيم الدولة الإسلامية، كما يقول.

واختار هذا الفنان العراقي البالغ من العمر 35 عاما النعال لصنع هذه “الوجوه” التي تجسد عناصر التنظيم الذي قتل وهجر مئات الآلاف في العراق وسوريا منذ منتصف يونيو. وهو يستخدم الأشرطة لصنع الشعر، والسحابات لصنع الأسنان، وقطعا معدنية صغيرة للعيون.

يقول خريف: “أردت تصوير مدى إجرام أعمال عناصر التنظيم وبشاعتها وقبحها والتعبير عن وجه من أوجه نقمة العراقيين على الإرهاب”. وهو يستذكر القول الشعبي العراقي “وجه القندرة” أو الحذاء المستخدم للإشارة إلى الأشخاص القبيحين، مؤكدا أن هذا “ما أريد أن أقوله”.

ويمثل عادة الحذاء أو القندرة في الثقافة الشعبية العراقية الدرجة السفلة من المهانة، الأمر الذي يفسر قيام الصحفي منتظر الزيدي برمي الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بالحذاء.

وسبق أن أقام نحات عراقي نصبا في هيئة حذاء تكريما لـ “الحذاء” الذي رمي به الرئيس الأميركي جورج بوش، وما يمثله ذلك من إهانة تكشف الغيض الكامن في صدور العراقيين بعد احتلال بلادهم، إلا أن حكومة نوري المالكي أزالت النصب الذي شيد في محافظة صلاح الدين.

تجسيد وجوه مقاتلي "داعش" بين القبح والقذارة في ورشة عقيل خريف ببغداد

ويضيف خريف: “فكرت في كيفية صنع داعش (الاسم الذي يعرف به التنظيم). صحيح أنه مجرد حذاء، لكن فلسفة العمل هي أن الحذاء كلما استخدمته ازداد تشوها”.

وتعددت وجوه القتلة في العراق من الميليشيات الطائفية إلى عناصر داعش المتطرفين، مع أن غالبية العراقيين ينظرون إليهم، على حد سواء، كما يشبههم الفنان بـ “القندرة”. فقبل داعش كان أبو درع الذي هشم الرؤوس في عمليات قتل على الهوية دون أن تحاسبه الحكومة العراقية، لأنه من العناصر التي تتبنى خطابها الطائفي.

وبالأمس نشرت وكالات الأنباء صورا مريعة لقتلة حاملين وجه “القندرة” وهم يمثلون بجثة لقتيل غير معروف ويهينونها.

وهذا ما اعتبرته صحيفة “التايمز″ البريطانية مساعي من جانب “وكلاء شيعة لإيران” في العراق لاستغلال “تراجع″ تنظيم الدولة الإسلامية.

وتقول الصحيفة إن “داعش” لا يعد الوكيل الوحيد لـ”الوحشية” في المنطقة، مشيرة إلى تقارير حول مقتل 72 مدنيا عراقيا غير مسلحين على يد ميليشيات شيعية في قرية بروانة بمحافظة ديالى.

وتبدو “الوجوه” على قدر كبير من القبح والقذارة وأقرب إلى أشكال مرعبة تثير الخوف لدى الناظرين إليها. وتعمد خريف القيام بذلك ليعكس من خلال الوجوه الصادمة، النظرة القاتمة إلى التنظيم الذي يسيطر على مناطق واسعة في العراق منذ هجومه الكاسح في يونيو. ويقول: “تنظر إلى الأعمال فتراها مصنوعة من بقايا نفايات وأحذية بالية، لكنها تظهر عقليتهم المريضة وتعطشهم إلى الدماء”.

ويتعمد الفنان، وهو أستاذ جامعي في الهندسة المعمارية، تشويه الوجوه التي ينجزها، فبعضها بعين واحدة، لأن التنظيم يرى الأمور من منظاره الخاص “لا كما نرى نحن الحق بعينين”، وفق قوله، وهناك قطع أخرى ضمت ثقبا كبيرا لتجسيد الفم والحلق، ما يعكس “الصراخ الذي أرعب كل العالم”.

وأدى هجوم التنظيم إلى تهجير مئات الآلاف من مناطق إقامتهم في العراق. كما قتل الآلاف غيرهم سواء كانوا من أفراد الشرطة والجيش أو من السكان الذين رفضوا الخضوع لسلطته، فضلا عن قتله الآلاف في سوريا، حيث يسيطر على مناطق واسعة في الشمال والشرق. ويقول خريف: “عندما أنجز العمل الفني أستحضر النازحين، وأحاول أن أظهر التنظيم بأبشع شكل لأواسي الناس الذين تركوا بيوتهم، ولأقول لهم : ‘ليس الجندي فقط معكم’”. وتخوض القوات العراقية معارك لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها الجهاديون.

وتبلورت فكرة الأعمال لدى خريف بعد نحو أسبوع من سيطرة التنظيم على الموصل (شمال) ثاني مدن البلاد، في العاشر من يونيو، وهي أول المناطق التي سقطت بأيدي التنظيم المتطرف الذي تمدد جنوبا وغربا، واقترب في حينه من العاصمة بغداد.

ويشير إلى أنه حاول تجسيد هذا الحدث في عمل فني، فلم ير عملا يوازيه سوى عبر إنجازه من بقايا الأحذية، مضيفا “أعرف أني بهذا العمل لن أخرجهم من بلدي، لكني على يقين بأنهم سيحرجون به”.

طريقة فنية ابتكرها الفنان عقيل خريف لمواساة النازحين باستخدام الأحذية البالية والنفايات

ويعتمد خريف على الشارع لجمع “مواد” أعماله، حيث ينتقي النفايات بنفسه ويبتاع بقايا الأحذية من محال صغيرة في الأسواق الشعبية. ورغم “الاستهزاء” الذي يواجه به أحيانا من الناس، إلا أن ذلك لا يثنيه عن محاولة ايصال أفكاره إليهم.

ويقول: “أعمل في الشارع، أريد أن يعرف الناس هذا الفن، أريد توعية الناس، من يرى هذا العمل يدرك أن النفايات ليست مضرة، ونستطيع استخدامها في أشياء مفيدة”.

ويعكف خريف حاليا على إنجاز جدارية خشبية مساحتها أكثر من ثلاثة أمتار مربعة، ومقسمة إلى 24 جزءا متساويا يضم كل منها “وجها” مصنوعا من الأحذية. ورغم أن هذه الجدارية مستوحاة من “داعش” كتنظيم، إلا أنه يريد لها أن تعكس معاني إضافية.

ويوضح أن “الجدارية تمثل ‘الدواعش’ الذين يعيشون بيننا وليس الإرهابيين فقط، من السخف القول إن هؤلاء ‘داعش’ فقط، فالمصطلح ينطبق على الفاسدين داخل المؤسسات أيضا”.

ويؤكد أن “الداعشي” بالنسبة إليه هو “كل إنسان لا يحب بلده ولا يحب الخير، ويؤمن بالموت، ويرفض الآخر ولديه استعداد لأن يقتلك عندما تختلف معه”. ورغم تجسيده بشكل ساخر عناصر تنظيم عرف عنه قيامه بقتل كل من يخالفه الرأي بطريقة وحشية، إلا أن خريف مصمم على المضي قدما.

ويقول: “إن الموت في كل مكان وأنا لست أهم من الذي يدافع عن بلده ويحمل السلاح ويذهب لمواجهة العدو وجها لوجه، بالعكس، من منطلقي أنا أتضامن معه، وإذا مت فلست أهم منه”. ويتابع قائلا: “إذا أتى الموت نتقبله بكل رحابة صدر، فأقله أن أموت مؤمنا بقضية حقيقية”.

20