القتل بث مباشر على فيسبوك

منصات التواصل الاجتماعي تحاول حجب مقاطع قتل المصلين بمسجدين في نيوزيلندا.
السبت 2019/03/16
مشاهد العنف تتصدر

مهاجم مسجدي نيوزيلندا نقل الاعتداء عبر فيسبوك بطريق الـ”لايف” ونشر بياناً على تويتر، ما يسلط الضوء على مواقع التواصل الاجتماعي كقوة كبيرة مقارنة بوكالات الأنباء، على غرار وكالة فرانس برس التي اكتفت بالتحقق من تلك المقاطع التي أزيلت بعد ذلك.

كرايستشرش (نيوزيلندا) – تواجه منصات التواصل الاجتماعي، وبينها فيسبوك، تدقيقا أكثر صرامة، عقب ظهور مقطع فيديو للمشتبه به في إطلاق النار على مسجدين في نيوزيلندا، في بث مباشر لعملية القتل عبر الإنترنت.

ونشر الإرهابي “بيانا” يشرح دوافع الهجوم صباح الجمعة على حساب على تويتر يحمل نفس الاسم والصورة الشخصية لحساب فيسبوك الذي نقل الهجوم مباشرة.

وعنوان البيان الذي سماه “مانيفستو”، “الاستبدال الكبير”، ويشير نصه الممتد على 73 صفحة إلى أن المعتدي أراد مهاجمة مسلمين. ويبدو عنوانه مستوحى من نظرية للكاتب الفرنسي رونو كامو بشأن اندثار “الشعوب الأوروبية”، التي “تستَبدَل” بشعوب غير أوروبية مهاجرة. وباتت هذه النظرية منتشرة بشدة في أوساط اليمين المتطرف.

ويخبر المهاجم في النصّ أنه مولود في أستراليا من عائلة عادية ويبلغ من العمر 28 عاما. وأعلن أن إحدى اللحظات التي دفعته إلى التطرف كانت هزيمة زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان في انتخابات 2017 الرئاسية، وهجوم بشاحنة في ستوكهولم في أبريل 2017 قتل فيه 5 أشخاص بينهم طفلة في الحادية عشر من العمر.

وكالات الأنباء تشرح وتدقق

قامت فرانس برس بتحليل مقطع من الفيديو الذي نقل عبر “فيسبوك لايف” يظهر رجلاً أبيض بشعر قصير يصل بالسيارة إلى مسجد النور في كرايستشرش، ثمّ يبدأ بإطلاق النار لدى دخوله إليه.

وتحققت وكالة فرانس برس من صحة الفيديو بفضل تقنية رقمية تسمح بمقارنة المشاهد التي ظهرت في الفيديو مع الصور المتوفرة على الإنترنت للمسجد، بينها صندوق بريد وباب المدخل وسجادة.

وبالنسبة للطريق التي سلكها منفذ الهجوم بالسيارة ونقلها مباشرة أيضا، يمكن سماع صوت نظام الملاحة الإلكتروني في الخلفية وتتبعت فرانس برس طريقه عبر استخدام “غوغل ستريت فيو”.

وخلال السنوات الماضية أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مصدرا مهمّا للأخبار، تعتمد عليه كثير من وسائل الإعلام الكبرى، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة مهمة لانتشار المؤسسات الإعلامية.

وتعي وكالة الأنباء “خطورة الاعتماد الأعمى” على أخبار المواقع الاجتماعية، ما جعلها تتبع منهجية التحقق من المعلومات والصور والوثائق والأخبار قبل بثها حتى لا تفقد المؤسسة مصداقيتها.

وكان استطلاع للرأي وجد أن أكثر من نصف مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يعتمدونها كمصادر للخبر ويرفضون دفع الأموال للمصادر التقليدية من أجل ذلك. وقد اعتمدت النتائج التي توصل إليها معهد رويترز لدراسة الصحافة في بريطانيا، والتي نشرت منتصف يونيو 2016، على استطلاع للرأي شمل 50 ألف مستخدم لشبكة الإنترنت في 26 دولة. وتوصّل الاستطلاع إلى أن 51 بالمئة من المستخدمين يعتمدون مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار، فضلا عن أن واحدا من كل عشرة مستخدمين أي بنسبة 12 بالمئة يقولون إنهم يعتمدون مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار. وأشار التقرير إلى أن فيسبوك هو الشبكة الأكثر أهمية والأكثر شيوعا بين المستخدمين.

منصات التواصل الاجتماعي تسعى جاهدة لإزالة الفيديو بمحتواه العدائي
منصات التواصل الاجتماعي تسعى جاهدة لإزالة الفيديو بمحتواه العدائي

وظهر في الفيديو أيضا الأسلحة التي استخدمها مطلق النار بعض كلمات مشابهة لتلك الظاهرة في صور نشرت في وقت سابق على حساب تويتر الذي نشر عبره الإعلان. ونشرت صور الأسلحة على ذلك الحساب في 13 مارس.

وكتبت عليها خصوصا أسماء باللغة الإنكليزية وباللغات الأوروبية الغربية لشخصيات عسكرية تاريخية، من بينهم أوروبيون قاتلوا القوات العثمانية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

وقامت فرانس برس بحفظ الفيديو قبل أن يجري وقف حساب فيسبوك الذي نشره عن العمل، بعد الاعتداء بقليل، وقامت بأخذ لقطات لحساب تويتر قبل تعليقه.

وحذّر متحدّث باسم وزارة الداخلية النيوزيلندية أن من المرجح أن يعتبر الفيديو مستهجنا بالنسبة لقانون البلاد ومشاركته غير قانونية.

وقال “محتوى الفيديو مزعج وقد يكون له آثار غير مرغوب فيها على الناس”، متابعا “إنها مأساة حقيقية مع ضحايا حقيقيين، وعلينا أن نشجع الناس على عدم مشاهدة أو مشاركة هذا الفيديو”.

القتل المباشر

ذكرت وكالة أنباء “بلومبيرغ” أنه في الوقت الذي ذكر فيه موقعا تويتر ويوتيوب أنهما تحركا سريعا لإزالة المحتوى، قال مستخدمون إن مقطع الفيديو لا يزال متاحا بشكل واسع بعد ساعات من أول تحميل له على حساب المشتبه به. وكان يمكن الوصول بسهولة إلى الفيديو، الذي يقدم تصويرا حيا لعملية القتل داخل أحد المسجدين بمدينة كرايستشرش في نيوزلندا، خلال، وبعد الهجوم، مع بيان للمشتبه على تويتر به مفعم بالكراهية.

وطلبت الشرطة من الناس عدم نشر المقاطع التي يظهر فيها المهاجم وهو يطلق النار على مصلين من مسافة قريبة.

وكتبت على تويتر “الشرطة على علم بصور مؤلمة جدا مرتبطة بحادث كرايستشرش يجري تداولها على الإنترنت”. وأضافت “توصي بشدّة عدم مشاركة الرابط. نعمل على سحب تلك المقاطع”.

وتحاول فيسبوك ويوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى جاهدة إزالة الفيديو بمحتواه العدائي من المواقع التي جنت مليارات الدولارات كعوائد من المعلنين.

ودعا المسلح المشتبه به المشاهدين قبيل إطلاق النار في نيوزيلندا، إلى الاشتراك في قناة “PewDiePie” عبر يوتيوب، والتي كانت تعرضت لانتقادات بسبب بثها مشاهد عدائية في الماضي. وقال يوتيوب في رد إنه يعمل “بيقظة على إزالة أي مشاهد عنف”.

وقال فيسبوك في حسابه على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي ”أبلغتنا الشرطة بشأن الفيديو على فيسبوك بعد وقت قصير من بداية البث الحي وأزلنا سريعا حسابي مطلق النار على فيسبوك وإنستغرام، بالإضافة إلى مقطع الفيديو. كما أزلنا أي إشادة أو دعم للجريمة ومطلق النار، أو مطلقي النار عندما علمنا بالأمر”.

وكانت الشرطة النيوزيلندية أعلنت الجمعة مقتل 49 شخصا، على الأقل، في حادث إطلاق نار داخل مسجدين في مدينة كرايستشرش.

وتم اعتقال 4 أشخاص عقب الهجومين (ثلاثة رجال وامرأة)، ولم يتم التأكد بعد من ثبوت تورطهم في إطلاق النار.

وزاد الهجوم الإرهابي الجدل حول الخطر الذي بات يحيط بتقنية البث المباشر على فيسبوك، بعد أن تعددت عمليات القتل والانتحار أمام أعين الجميع.

وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلةٍ طويلة من الجرائم عُرضت عبر خاصية البث المباشر على فيسبوك.

وكانت شركة فيسبوك قد أعلنت قبل عام عن مراجعتها لسبل مراقبة تصوير مشاهد تنطوي على العنف، وغيرها من المواد المرفوضة.

الحادثة تأتي ضمن سلسلة طويلة من جرائم عرضت عبر خاصية البث المباشر على فيسبوك التي أصبحت تثير الجدل بعد أن تعددت عمليات القتل والانتحار أمام أعين الجميع
الحادثة تأتي ضمن سلسلة طويلة من جرائم عرضت عبر خاصية البث المباشر على فيسبوك التي أصبحت تثير الجدل بعد أن تعددت عمليات القتل والانتحار أمام أعين الجميع

ولا يعتقد ريموند سوريت، وهو أستاذ في العدالة الجنائية بجامعة سنترال فلوريدا أنَّ إدارة فيسبوك لديها الكثير من الخيارات لمنع نشر مشاهد هذه الجرائم على الموقع، وقال سوريت “إذا تلقيتَ مكالمةً مُزعجة، فأنت لا تلوم الشركة المُصنِّعة للهاتف”، ولكنَه يؤمن بأن شركة فيسبوك مسؤولة عن حذف مقاطع الفيديو ومشاهد البث المباشر بأقصى سرعة ممكنة.

وأضاف “كلما قلَّت فترة وجود المقطع على الموقع، قلَّت احتمالية نسخه”.

وبالإضافة إلى تحسين جودة تدفق التقارير، تستخدم شركة فيسبوك الذكاء الاصطناعي لمنع إعادة مشاركة المحتوى نفسه، وتعهَّدت بتحسين عملية المراجعة في الموقع.

وبغض النظر عن مسؤولية شركة فيسبوك، ففي الحقيقة إن مشهد القتل حظيَ بعدد هائل من المشاهدات، ما سلَّط الضوء على الجانب السيء من الطبيعة الإنسانية.

وبالتأكيد لا يريد جميع الناس التحديق في الحادثة شاغرين أفواههم، بيد أن طبيعة مُشاركة المحتوى على فيسبوك وتويتر والمنصات الأخرى تعني أن الفيديو الذي انتشر انتشارا واسعا، والذي تحوَّل في بعض الأماكن إلى صور GIF متحركة، قد وجده مستخدمو موقع فيسبوك على صفحاتهم دون أن يرغبوا فيه، نتيجة مشاركة الناس له بكثرة.

يذكر أن مؤسس فيسبوك ورئيسه التنفيذي مارك زوكربيرغ، أعلن في 6 أبريل 2016، عن إطلاق خدمة البث الحي بالفيديو لكل المشتركين في الموقع، بعد أن كان مقتصرا من قبل على الصفحات فقط.

وأفاد زوكربيرغ في منشور ورد على صفحته في فيسبوك حينها، بأن الهدف من هذا القرار الجديد هو جعل فيسبوك مكاناً أسهل لإنتاج وتبادل واكتشاف أشرطة الفيديو الحية لكل مستخدمي الموقع.

وأضاف أن خدمة البث الحي الجديدة تجعل الشخص كأنه يحمل جهاز تلفزيون في جيبه، بحيث يمكن لأي شخص يملك هاتفا الآن أن يبث الفيديو الحي نحو أي شخص آخر وفي أي مكان من العالم.

هاشتاغات مستهجنة

سيطرت هالة من الحزن والصدمة، على العالم في أعقاب الحادث الإرهابي المروع الذي أسفر عن مقتل أكثر من 49 مصليا، فيما وصفته رئيسة الوزراء النيوزلندية جاسيندا دراين بيوم أسود.

واستنكر مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي ما حدث وأعربوا عن رفضهم له. وانتشرت عدة هاشتاغات على غرار #Christchurch و#نيوزيلندا.

وكتبت روكسان لاولر على تويتر تقول “أنا آسفة للغاية كرايستشرش. من فضلك اعرفي أني امرأة مسيحية من سيدنى تتضامن مع المسلمين في المدينة كأبناء الرب. أصلي من أجلكم بإخلاص وبقلب حزين”.

بينما انتقد البعض من الذين يبرّرون الحادث بأن المسلمين متطرفون، وقالت لوسي موريس مار إن القول بأن الضحايا الأبرياء لمذبحة نيوزيلندا هم مسلمون متطرفون أمر مروّع. الكلمات مهمة والخطاب مهم، والعار على كل من يروّجون لهذه الأفكار”.

كان السيناتور الأسترالي فرايجر أنينج قد قال في تغريدات بعد الحادث “هل لا يزال أحد يجادل حول وجود صلة بين هجرة المسلمين والعنف. السبب الرئيسي لإراقة الدماء في شوارع نيوزيلندا هو برنامج الهجرة الذي يسمح للمسلمين المتطرفين بالهجرة إلى نيوزيلندا في المقام الأول.

19