القتل والمجزرة والإبادة

الثلاثاء 2014/08/05

السؤال الذي يجب أن نطرحه على الفكر العربي، عامة، يتمثل في كيفية تحديد وجهة التفكير بعد مجازر غزة الجريحة، التي تتحول إلى إبادة بطريقة “هادئة” ومستمرة في الزمن للشعب الفلسطيني. مع أني لا أعتقد أن هذه المجازر وهذه الإبادة لا تهمان إلا المثقف العربي، ولا أجزم أنهما استثناء في معالجة القضايا السياسية. قد يكون هذا التساؤل غير مجد سياسيا. ولكنني أردت أن أعرف كيف نتوصل إلى إبقاء معنى لوجودنا، أو بالأحرى كيف يمكن للوجود أن يكون حاضرا بعد مذابح متواصلة دون انقطاع تقوم بها إسرائيل، منذ أن أوجدتها الإمبريالية الغربية في الأراضي العربية، مذابح لا تتحمل مسؤوليتها الفاشية الصهيونية الجديدة فقط لأن لنا ضلع شديد الأهمية في ما حصل؟

نعم قلت فاشية جديدة بالنسبة إلى حكم يهودي، وبالنسبة إلى مجموعة اليهود التي ذاقت الأمرين من النازية والفاشية، لأن الأشياء يجب أن تسمى بأسمائها مهما كانت الظروف. قد يقول بعضهم إن الديمقراطية سمة النظام الإسرائيلي، وإن حكامها قد وصلوا إلى السلطة عن طريق الديمقراطية. لا أنكر ذلك، ولكن أي معنى لديمقراطية تقوم أصلا على إقصاء الآخر بالقتل والهدم والتحطيم والمذابح والاغتيالات اليومية والتصفية الجسدية والاعتقالات بالآلاف والتهجير والحشد والتعذيب والاستعمار واستعمال القوة والعنف كقاعدة أساسية للحكم في ما يخص المواطن غير اليهودي؟ أليس كل ذلك من السمات الأساسية للحكم الفاشي؟ وما معنى هذا الإقصاء إذا لم نلق عليه الاسم الذي هو جدير به وأعني العنصرية؟

وفي واقع الأمر تحاصر الإمبريالية العالمية العرب والمسلمين من كل الجهات لإضعافهم وقهرهم، وهدفها في ذلك تعطيل كل تقدم علمي وتكنولوجي واجتماعي في بلدانهم حتى لا يمتلكوا أدوات الإبداع العلمي والتقني. وأفضل طريقة لذلك تكمن في العودة بهذه المجتمعات إلى قرون خلت، عندما كان العرب والمسلمون لا يهتموا إلا بشؤون دينهم وقد أناخ عليهم الجهل بكلاكله. هذا الحصار تقوم به الصهيونية طبعا، ولكن المتشددين والسلفيين الجهاديين والإرهابيين والإخوان المسلمين ينفذون هذا المخطط بإتقان عن وعي، وعن غير وعي، ونعني به التقتيل والمجازر والمذابح تصفية للمسلمين والعرب.

فكما أن الهولوكست ومذابح اليهود على أيدي النازيين والفاشيين في الحرب العالمية الثانية هي التي حددت التفكير في ما بعد، فإن على الإنسانية اليوم، وبنفس المنطق وحسب نفس الأهداف، أن تتساءل من جديد كيف يمكن أن تقع مجزرة بعد مجزرة الهولوكست وبيد من كان ضحية لها؟

كيف يمكن للإنسانية أن تقبل ذلك وأن تستسلم لإرادة القتلة في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا وغيرها؟ بأي منطق يبرر الغرب اليوم ما يقع، ويتفهم أعذار إسرائيل الواهية؟ لماذا تبقى إسرائيل هي الوحيدة في العالم التي يمكن لها أن تقوم بالمذابح والاغتيالات وحرق الأشجار وهدم البناءات وتحطيم الحياة دون عقاب بل دون أن تجد من يندد بذلك؟

ليست لي الإجابة الواضحة عن هذه التساؤلات، ولكني سأضع نقط استدلال لعلها توجهنا نحو المزيد من الفهم لوضع الإنسانية حاليا.

1 - إننا نعيش اليوم أحداثا أليمة متسارعة، وعنفا شديدا متصاعدا، وانحلالا كبيرا في العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الشمال والجنوب، ومذابح يومية يقوم بها الإسرائيليون في فلسطين. مذابح يشرعها صمت الرأي العام العالمي ويبررها بشتى الوسائل أصحاب القرار النظري والعملي في العالم، وكل ذلك يمثل صبغة تأسيسية لما يسمى بالعولمة، وهو على كل حال ناتج عن تهافت منظومة القيم التي كانت تسود العالم في عصر الحداثة وتعويضها بمنطق الربح والهيمنة وفوضى السوق التي تسود الآن في عصر ما بعد الحداثة.

2 - العقلانية الغربية لم تصنع العلوم والتكنولوجيا فقط، بل أقامت أيضا منطقا جديدا يقوم على الإقصاء والاستبعاد والتقتيل، بحيث ستؤدي هذه العقلانية إلى إقرار للإنسانية لا محالة، ولكن هذه الإنسانية ستأتي مشطورة ذات قطبين، إنسانية محبذة يعمل العقل في تمظهره الغربي على تطويرها والدفاع عنها، وإنسانية أخرى منبوذة، يمكننا في أحسن الأحوال تركها جانبا، إذا لم يقم هذا العقل بإفنائها وتصفيتها وإبادتها إن اقتضت ضرورة ما لذلك. ألم يكن دور العقل في تمظهره الغربي كبيرا في قهر الشعوب العربية استتباعا لحروب الخليج (بواسطة الحروب الأهلية، وبواسطة الحصار المتواصل، وبواسطة تسليح الإرهابيين، وإبعادهم عن العالم الغربي وتوجيههم نحو العرب والمسلمين)، حروب أنتجت مئات الآلاف من الضحايا؟

ألم يشجع هذا العقل، قوى الظلام في الإسلام، بما في ذلك نظام طالبان وأسامة بن لادن بالأمس والإخوان وداعش اليوم، لكي يحطموا النظم العربية التقدمية التي كان يمكن لها أن تلعب أدوارا استراتيجية هامة كمصر والجزائر؟ ألم يقم هذا العقل بمعاقبة العرب على جرائم قام بها هو في الحرب العالمية الثانية، عندما حاول تصفية اليهود فأقام دولة إسرائيل بين أٍراضيهم، إسرائيل التي هي بدورها تنفذ إرادة التصفية ضد الشعب الفلسطيني؟

3 - لقد قسم العقل في تمظهره الغربي (المعقولية الغربية) الإنسانية إلى جزأين مختلفين. هناك إنسانية تستحق الدفاع عنها وحفظها وتطويرها واحترامها، وهي تلك التي تنتمي بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى العالم الرأسمالي المهيمن، وإنسانية ثانية غيرية “يترعرع فيها الإرهاب والشر والفقر” وهي تستحق “العواطف الإنسانية” في أفضل الأحوال.

معنى ذلك أن العالم اليوم عالمان؛ عالم العولمة والهيمنة المطلقة، وعالم “الرحمة والعناية” أي عالم تُرك إلى المنظمات الإنسانية لتهتم بفقره ومرضه لأنه قد تم “إخراجه” نهائيا من التاريخ بالنسبة إلى المعقولية الغربية في صبغتها الإمبريالية.

4 - فلنا نحن في البلدان العربية المختلفة مسؤولية كبيرة في انزياحنا، شيئا فشيئا، نحو العالم المتروك، عالم الحروب والإرهاب والجهل، إذ أننا لم نستطع تطوير قيمنا ومقومات حضارتنا حتى نعطيها صبغة شاملة وكونية، فليست للمثقف العربي الآن القدرة الكافية للنقد والتحليل والمشاركة في النقاشات العامة واتخاذ المواقف الجريئة، وهو يعيش تحت ضغط السلطة وفي محيط التكفير والتقتيل، لأن الحركية الديمقراطية الثقافية المدنية هي التي تولد الخيارات القيمية وهي التي تقدم لهذه الخيارات معاني تتسع لتشمل الحضارة العربية ولتتجاوزها نحو الحضارات المجاورة.

فالمثقف العربي، لأنه أسير اللعبة السياسية وأسير السلطة الدينية، مازال مستهلكا للأفكار التي قد تأتيه من أعماق التاريخ أو تتصل به من حاضره الآخر الذي هو ليس فيه. وللأنظمة السياسية العربية، ماضيا وحاضرا، ضلع كبير في ذلك، لأنها هي بدورها قد استسلمت للعولمة ولقطبها الأميركي، وليس لها خيار غير ذلك باعتبار طبيعتها وباعتبار مآرب أصحابها ومصالحهم، وهي التي اختارت الحكم المطلق والدكتاتوري لتسيير شؤون الحياة والأفكار، بحيث هاجر الفكر من ربوعها فتقوقع في الماضي أو التحق بالحاضر الغربي، وفي كلتا الحالتين ترك فراغا أدّى بالمجتمعات العربية إلى التقهقر، فأصبحت مستهلكة غير قادرة على الابتكار والخلق وإنتاج الجديد.

نعم ما يقع اليوم أمام أعيننا في فلسطين هو تقتيل ومجازر تتحول، شيئا فشيئا، إلى إبادة للشعب الفلسطيني حتى تتمكن إسرائيل من السيطرة على الأراضي المغتصبة وعلى المنطقة العربية المجاورة. ليست جرائم حرب فقط بل ليست جرائم ضد الإنسانية فقط، هي محاولة للإبادة تحت رعاية العالم الغربي المعولم.


كاتب ومفكر تونسي

9