القدر يرفع قبّعته الذهبية لترامب

الديمقراطيون وعلى رأسهم جو بايدن يدفعون باتجاه تأجيل تعيين بديل لغينسبرغ إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية حتى لا يخسروا المقعد الليبرالي في المحكمة التي تحسم الأمر في القضايا الخلافية بين الحزبين.
الخميس 2020/09/24
ترامب سيختار امرأة لخلافة غينسبرغ في المحكمة العليا

قبل أسابيع معدودة من بلوغ موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية المحدّدة في 3 نوفمبر من العام الجاري، يبدو أن القدر يتدخّل مجددا لصالح الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فكما تدخّل في العام 2016 في إيصاله إلى سدة البيت الأبيض بعد أن كان فوز منافسته هيلاري كلينتون محسوما بالإحصاءات والتحليلات بل وبتنبؤات العرّافين، ها هو يتدخل اليوم إثر وفاة القاضية، روث بادر غينسبرغ، أحد قضاة المحكمة الأميركية العليا، حيث يتوجّب دستوريا إشغال مقعدها بترشيح اسم بديل يتقدّم به الرئيس إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه وإقراره.

هي الفرصة الذهبية للرئيس ترامب ليسارع بتقديم اسم مرشّحه، وقد قال خلال الأيام الماضية في تجمّع انتخابي بمدينة أوهايو إنها ستكون امرأة من القضاة البارزين أصحاب التاريخ المهني النزيه والسمعة العطرة. كما هي أيضا مناسبة في توقيت مثالي لاختيارها ممن هم يعتبرون أكثر قربا إلى اليمين الجمهوري المحافظ.

فرصة الرئيس ترامب تكمن في ما يتيسّر له ضمن هذا الوقت الضيق من سلطة دستورية تسمح بالمضي في خطوة استباقية ستكون قادرة على معالجة مرضية لحزبه لما يمكن أن تُسفر عنه الانتخابات الرئاسية من تعقيدات قانونية إذا ما تمّ الطعن بالنتيجة من طرف الحزب الجمهوري. فالرئيس ترامب يحذّر بشكل متواصل خلال حملاته الانتخابية المتنقلة بين الولايات من إمكانية التلاعب بنتائج التصويت، بسبب اضطرار الأميركيين إلى الإدلاء بأصواتهم عبر البريد الورقي والإلكتروني، نظرا لعدم تراجع جائحة كوفيد – 19 في مختلف الولايات حتى اليوم، ولأن اللقاح لم يتوفر بعد ليساعد على إطلاق المراكز الانتخابية وفتح أبوابها للمواطنين للتصويت حضورا.

أما القاضية غينسبرغ، التي يُطلق عليها اختصارا اسم “آر.بي.جي”، فكانت تميل سياسيا إلى اليسار الليبرالي الأميركي وسط غالبية من القضاة المحافظين من أعضاء المحكمة العليا التسعة. وهي من عتاة الداعمين والمدافعين عن حقوق المرأة، وشكّلت بحضورها الحيوي قوة مؤثرة داخل المحكمة التي هي أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة.

فور تسمية ترامب لخليفة غينسبرغ يذهب اسم المرشّح إلى مجلس الشيوخ لتتم المصادقة عليه. ومن المتوقّع أن تُنجز هذه المهمة في سرعة قياسية هذه المرة، وبشكل استثنائي، نظرا إلى أن المجلس يسيطر عليه الجمهوريون، وهم يرمون إلى تأمين غالبية مريحة للمحافظين من أعضاء المحكمة التي تملك القول الفصل في العديد من القضايا الاجتماعية التي ينقسم عليها الأميركيون مثل الإجهاض واقتناء السلاح وعقوبة الإعدام وقوانين اللجوء إلى الولايات المتحدة.

الديمقراطيون من جهتهم، وعلى رأسهم مرشحهم للرئاسة جو بايدن، يدفعون بالاتجاه المعاكس لتأجيل تعيين بديل لغينسبرغ إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية حتى لا يخسروا المقعد الليبرالي في المحكمة التي تحسم الأمر في القضايا الخلافية بين الحزبين، وبخاصة قبيل الانتخابات الرئاسية الأكثر سخونة في التاريخ الأميركي.

ولكي نضيء بشكل وافٍ على أسباب هذا التجاذب على موقع مقعد المحكمة العليا الشاغر من كلا المرشحَين الرئاسيين، ولنعرف علاقة المحكمة الممكنة في سير الانتخابات القادمة، لا بد من أن نورد نبذة موجزة عن مقام وهيكلية المحكمة العليا الأميركية.

المحكمة العليا هي أعلى هيئة قضائية في الولايات المتحدة، حيث تتشكّل هيئتها من تسعة قضاة، أحدهم رئيس والثمانية أعضاء، وحاليا يرأس المحكمة القاضي، جون روبرتس، الذي عيّنه الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن منذ 14 عاما، ولمدى الحياة. يتمّ التعيين في المحكمة العليا بتسمية من الرئيس الأميركي الذي يقدم مرشحا لموقع قاض في المحكمة حال شغور المنصب؛ ولا يخلو المنصب إلا بالوفاة أو الاستقالة أو التقاعد أو الإدانة القضائية النهائية. وهكذا يستمر قضاة المحكمة العليا في مناصبهم مدى الحياة، ولا يمكن للرئيس أو غيره إقالتهم تحت أي ظرف من الظروف.

إلا أن ذروة التجاذب بين الحزبين على تأمين غلبة الأصوات بين القضاة من محافظين يميلون للجمهوريين، أو ليبراليين يميلون للديمقراطيين، بلغت أشدّها في العام 2000 حين كان للمحكمة العليا القول الفيصل في حسم نتيجة الانتخابات الرئاسية التي تنافس عليها في ذلك العام، الرئيس الأسبق جورج بوش الابن الجمهوري، مقابل منافسه، آل غور الديمقراطي. وقد حكمت المحكمة العليا آنذاك بفوز الرئيس بوش بعد جملة من الطعون رُفعت إليها تشكك بالنتائج الانتخابية وآلية عدّ الأصوات في ولاية فلوريدا.

أما في الانتخابات الرئاسية للعام 2020، فيبدو أن الجمهوريين أمسوا أقل قلقا وأكثر حماسا لمرشحهم مما كانوا عليه في العام 2016، كما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تراجع التأييد الشعبي لبايدن مقابل تقدّمها لطرف منافسه اللدود ترامب، وكذا فالرئيس يخوض معركته الانتخابية مدجّجا بإمكانات الرئاسة المتاحة، متنقلا بطائرة “إير فورس وان” الرئاسية الضخمة بين الولايات ومحاطا بدعم حكومته وطاقمه الشخصي في البيت الأبيض.

فصل المقال يكمن في حالة الاسترخاء والارتياح التي تغلب على المناخ التنافسي في المعسكر الجمهوري للعوامل السابقة مجتمعة من جهة، ولعوامل أخرى تتعلق بتفاصيل ليست في صالح بايدن البتة منها عمره المتقدّم واختياره لنائبته، كاميلا هاريس، التي ما زال أداؤها السياسي والمهني مثارا للجدل في الشارع الأميركي. فما بالك إذا اكتملت المنفعة وكانت المحكمة العليا جاهزة بنفس جمهوري غالب في حال الطعن بالنتائج الانتخابية؛ ألن يكون القدر حاضرا بقبعته الذهبية ليرفعها لترامب من جديد!

8