القدس ليست ملكا لترامب

الأربعاء 2017/12/13

لم توافق أي دولة “محترمة”على اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتوجيهه لنقل سفارة بلاده إليها. ما هي دوافع هذا الاعتراف الأحمق، وما هي تداعياته، ومن استفاد منه بجانب إسرائيل؟

من أهم أسباب اتخاذ ترامب هذا القرار تحويل الأنظار عن التحقيق الداخلي في تدخلات روسيا في حملته الانتخابية، وخاصة أن دائرة الاتهام أصابت صهر الرئيس جاريد كوشنير. السبب الثاني حرص ترامب على دغدغة مشاعر اللوبي اليهودي وقوة تأثير هذا اللوبي على نتائج الانتخابات الأميركية. الواضح أن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها جاء استجابة لجماعات الضغط الأميركية اليمينية المتطرفة المؤيدة لإسرائيل، واستخفافا بمصالح العالم العربي والإسلامي.

كذلك ربما من أسباب قرار نقل السفارة إلى القدس انقسام العالم العربي بسبب القلاقل والفتن التي واكبت ما يسمّى الربيع العربي. استغل ترامب هذه الفرصة الثمينة، بينما الفرس يسرحون ويمرحون في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، والعالم العربي غارق في مستنقع الصراعات والحروب. لعلي أذكر على سبيل المثال مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، واستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري ثم إعلانه إلغاء الاستقالة، إضافة إلى نشاز الموقف القطري المشين. كل هذه العوامل أنتجت بيئة حاضنة لزرع المزيد من الألغام والدسائس في العالم العربي.

أما تداعيات قرار ترامب فهي عديدة. الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يهدد هوية القدس العربية والإسلامية والمسيحية والقانونية. القرار كذلك يُعتَبر خروجا عن الإجماع الدولي وتخليا واضحا عن موقع واشنطن كراعية نزيهة للسلام.

إلا أن هذا القرار غير القانوني لن يعطي الشرعية للاحتلال، ولن يغير تاريخ أو هوية القدس الشريف. القرار تسبب في تصعيد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، واندلاع المواجهات في الضفة الغربية المحتلة. روسيا وألمانيا وفرنسا واليابان والأزهر والكنيسة المصرية حذّرت من عواقب هذه الخطوة التي ستفتح أبواب جهنم لا في العالم العربي وحسب، بل في العالم بأسره. حتى المرشح الرئاسي السابق بيرني ساندرز، وهو عضو كونغرس أميركي يهودي، وصف قرار ترامب بأن له تبعات سلبية على المنطقة بأكملها.

العالم كله أقر في جلسة مجلس الأمن الأسبوع الماضي أن تحقيق السلام في الشرق الأوسط يقوم على رؤية حل الدولتين وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف. إلا أن الرئيس الأميركي مصمم على الانحياز لتل أبيب خرقا لقرارات الشرعية الدولية. كذلك رفضت جميع الدول العربية في اجتماعها في القاهرة اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعتبرت القرار خرقا خطيرا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

المستفيدون كثر؛ فالقرار الأحمق للرئيس ترامب لا يختلف عن الفرقعات الإعلامية المتشنجة والاتهامات والمزايدات الفارغة والتهم الكاذبة ضد المملكة العربية السعودية. وبينما كانت قطر تُنَظِّرْ في اجتماع الوزراء العرب كانت قناة الجزيرة، ومعها شلة “القومجية” في حارة حريك وأزقة غزة، تقود حفلات الشتم المسعورة ضد المملكة.

الموقف السعودي واضح ويعلو فوق كل شعارات الشتامين والكارهين والحزبيين الذين باعوا أقلامهم ومواقفهم بثمن بخس. لعلنا نتذكر أن الملك عبدالعزيز لم يقبل في عام 1926 بوعد بلفور، ورفض أن يعترف للبريطانيين بشرعية وجودهم في فلسطين.

عودة لخطاب الرئيس ترامب، الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، لخص الأمر بجملة مفيدة قائلا إن القدس ليست ملكاً لترامب كي يعطيها لأحد. أعتقد أنّ الفكرة وصلت.

عضو جمعية الاقتصاد السعودية

9