القدود الحلبية عنوان الثورة السورية.. و"سكابا يا دموع العين سكابا"

الثلاثاء 2013/11/05
القد الحلبي ينشد حرية سوريا

دمشق – منذ بداية الثورة السورية، كانت القدود الحلبية لسان حال الشعب السوري الثائر الذي استدعى ذاكرته الشعبية، وحمّل تلك الأغاني آلامه وحلمه بالحرية. انتشرت تلك الأغاني بين المتظاهرين وعمّت ساحات التظاهر تنبض بكلمات جديدة تجسد آلامهم وتحمل عشق السوريين للحرية، يغنون: "سكابا يا دموع العين سكابا.. على شهداء سوريا وشبابا" و"يا مال الشام والله يا مالي.. طال المطال يا حرّة تعالي".

ويعود تاريخ القدود الحلبية إلى أكثر من 1700 سنة، وتحديدا إلى زمن القسّ السرياني "مار أفرام" (306-373م) الذي يُعتبر من أعظم من كتب القصيدة والترنيمة الدينية في الشرق، وبهدف ترغيب الناس بالحضور إلى الكنيسة، عمل على إدراج الألحان الدينية التي يألفها الناس في طقوس يوم الأحد ومن ضمنها كانت انطلاقة القدود.. تعتبر قدود القسّ "مار أفرام" في الكنيسة السريانية هي أقدم القدود في حلب، ومع مرور الزمن تحولت القدود إلى أغان شعبية ترسم الأحوال الاجتماعية والنفسية التي كان يعيشها الناس قديما، تفصح عن مكنونات حياتهم وأحاسيسهم. وقد أسهمت بساطة الأغاني وعذوبة الألحان في استمرارها من جيل إلى جيل وتخليدها حتى يومنا هذا.


مدرسة عريقة


القدود الحلبية ألحان قديمة حذف النص الديني الأصلي منها، ووضع بدلا منه شعر أو زجل عربي، وذلك بقدّ الوزن تماما، لهذا سُمي "القد". ومن أمثلة القدود الحلبية "قد": "تحت هودجها وتعانقنا.. صار ضرب سيوف يا ويل حالي". وهو مأخوذ عن الأغنية الدينية التي تقول: "يا إمام الرسل يا سندي.. أنت باب الله معتمدي".. ولهذا غالبا ما يختلف كلام القدّ الواحد من بلد عربي إلى آخر، ذلك أن اللحن أثبت من الكلام، وتُغنى في كل بلد تبعا للأسلوب الذي يتماشى مع أغانيه وطريقة غناء مطربيه.

لقد انتشرت القدود الحلبية بفضل مبدعي وفناني حلب إلى البلدان العربية، ومنهم الموسيقي الحلبي أحمد عقيل (1813-1903) وهو من رؤساء الذكر والمنشدين العريقين الذي لعب دورا أساسيا في تعليم أبي خليل القباني ومارون النقاش الموسيقى، مما ساعدهما في تأسيس المسرح الغنائي الدرامي.

ومن أجمل قدود القباني "يا طيرة طيري يا حمامة.. وانزلي بدّمر والهامة". ومن موشحات عقيل التي اشتهرت: "يا ساكنا"، و"مائس الأعطاف"، و"نشيد الأيتام". وأيضا العالم الموسيقي شاكر أفندي الحلبي الذي سافر إلى مصر سنة 1840، ونقل الموشحات الحلبية إليها من خلال عمله في تحفيظ المغنين المصريين الموشحات والقدود الحلبية، والذين برز منهم محمد عثمان وعبده الحامولي وسلامة حجازي.

وقد أسهم هذا العمل الذي قام به الحلبي في تأليف كتاب "الموسيقى الشرقية" لكامل الخلعي الذي ضمّ أكثر من مئتي موشح، وجميعها من خلال ما حفظه وتعلمه الموسيقيون والملحنون المصريون من الحلبي.

كان السنباطي ومحمد عبد الوهاب وعازف الناي الشهير عزيز صادق، تلامذة لدى الشيخ الحلبي علي الدرويش (1884- 1952) العالم الموسيقي والملحن والعازف المختص بآلتي الناي والقانون، والذي علّم الموسيقى ثلاث سنوات في معهد الموسيقى في القاهرة حتى عام 1931. كما أقام السيد درويش في حلب سنة 1912 لمدة سنتين في بيت عمر البطش (1885-1950)، ملحن الموشحات الأول في حلب، ليتعلم عزف الألحان على العود حيث أتقن أصول العزف وكتابة النوتة الموسيقية، وبدأت موهبته الموسيقية تتفجر. فموشحات البطش من أجمل ما عرفه فن الموشح العربي، ومنها: "يا عربيا"، "حسنك النشوان"، "يمر عجبا ويمضي"، "مبرقع الجمال" وغيرها. أيضا كان الفنان الحلبي كميل شمبير يكتب النوتة للسيد درويش؛ وممن ساعده وعمل منشدا ومرتلا دينيا الشيخ علي القصبجي وهو حلبي المولد ووالد ملحن مصر الأول أحمد القصبجي.

تقسم القدود إلى نوعين؛ الأول القدود الشعبية، وهي أغان شعبية قديمة متوارثة عن الجدود، والقسم الأكبر منها لا يعرف كاتبه أو ملحنه الأصلي، مثل "عموري"، "يا حنينة"، "يا ميمتي".. أما النوع الثاني فهو القدود المستحدثة مثل "نويت أسيبك" لكميل شمبير، "يا مال الشام يالله يا مالي"، "سكابا يا دموع العين سكابا"، "صيد العصاري يا سمك يا بني.. تلعب بالمية ولعبك يعجبني".


رقص السماح


لا يمكن الحديث عن القدود والموشحات الحلبية دون استحضار "رقص السماح" تلك الرقصة الحلبية بامتياز، وهي أيضا في الأصل رقصة دينية يؤديها الرجال فقط في الحلقات والأذكار. ويقال في سبب التسمية أن أعضاء فرقة السماح كانوا يستأذنون شيخ الطريقة أو رئيس الذكر ليبدؤوا فاصل الرقص، فيتنادون "سماح.. سماح.." فيسمح لهم.

وورد ذكر رقص السماح لأول مرة في معجم "محيط المحيط" لبطرس البستاني الذي قال عنه: "إنه رقص للمشايخ يستعملونه في العبادات، ويؤدّى في تشكيلات ونغمات وإيقاعات وخطوات متعددة على شكل وصلات تغنى فيها الموشحات والقدود".. ويعتبر الشيخ عقيل المنبجي نسبة إلى بلدة منبج في حلب، والمتوفى في القرن 12م فترة حكم "الزنكي" و"الأيوبي"، هو مبتكر هذه الرقصة. ومع الزمن انتقل رقص السماح من مواطنه الدينية "الزوايا" و"التكايا" إلى الحفلات والمنتديات الفنية.

وتحول هذا الرقص إلى دنيوي يشارك فيه الشباب والبنات، ولكل رقصة موشح خاص حسب سرعتها أو بطئها. ويعتبر الموسيقي أحمد عقيل هو من قام بتدوين رقص السماح بوضعه الحالي حتى لقب باسم "صاحب السماح". ويقوم الراقص بخطوات لليمين أو الشمال، أو للأمام والوراء، مع "سكنات" موقعة متناوبة يتلوها "نقر" برأس القدم أو الكاحل مع بسط القدم للأمام أو رفعها أو يهز الجسم كله إلى فوق والنزول به ثم السكون في الموضع، أو دوران الجسم كاملا أو نصف أو ربع دورة، مع حركات انسيابية لليدين. ويرتدي راقصو السماح غالبا الأزياء الشعبية الحلبية مثل القمباز أو الصدرية والميتان والشروال ويشدون على وسطهم الشال، مع الحذاء الحلبي الأحمر. أما النساء فيرتدين الألبسة الحريرية الناعمة الفضفاضة مع الطرحة على الرأس، وتكون ألوانها زاهية ومزركشة بتطريز (الأغباني).

لا تزال القدود الحلبية الموغلة في القدم، من أجمل ما جادت به حلب من ألوان الموسيقى العربية، ورقص السماح المرافق لها من أرقى ما قدمته لفن الرقص العربي.

16