القديسة الأسدية بولا يعقوبيان

الأربعاء 2015/05/06

بولا يعقوبيان تفضل بشار الأسد على أردوغان. الأتراك يحملون في تاريخهم مجزرة ضخمة غير قابلة للنسيان ولا للغفران، وهي لا تموت، بل تتجدد وتهب كل من يرتبط بها بنسب نفحة القداسة والألوهية.

أردوغان ليس سوى سليل للقتلة وبولا سليلة القديسين. القديسون يملكون الحق في وهب الغفران. ليس لأحد أن يناقشهم في مثل هذا الحق وخاصة إذا كان مدعما بجثث مليون ونصف المليون ضحية. اختارت بولا وهب غفرانها لصاحب المجازر الحية بشار الأسد في مواجهة من لا يحفل تاريخه بمجازر، ولكنها تريد توريثه إياها بالقوة.

إذن تعلن سليلة القداسات والإبادات أن لا شيء يغادر موقعه وصيغته ولا لحظته ومعناه، بل يبقى مقيماً فيهم أبد الدهر، وبما أنها تمتلك الحق في اختيار اللحظة التي تريد تأبيدها، وتأبيد معناها وتأويلها، فإن هذه اللحظة هي طبعا لحظة المجزرة الأرمنية.

هذه اللحظة تشكل في نظرها عالم الأرمن اليوم وعالم الأتراك كذلك، وما يقع من مجازر لا يستطيع الدخول في أي توصيفات تدينه أو لا تدينه، بل هو ببساطة غير موجود. لم يكن تفضيل بشار حكم قيمة ولا حاملا لبنية تفضيلية، بل تأبيدا لمنطق الإنكار الذي تمارسه بولا كحالة تعكس ضمير الأقليات في المنطقة وهي في معظمها متحالفة مع الجلادين. تتحالف الأقليات مع الجلادين لأنهم صورة من زمن لا يريدون مغادرته. هم الدليل على وجود المجزرة، وهم باتوا جزءا من الذاكرة التي تخشى زوال الهول وتسعى إلى نشره على حساب السوريين.

سحر الغروب يلون كل شيء بلون الحنين حتى المقصلة كما يؤكد ميلان كونديرا في روايته “خفة الكائن التي لا تحتمل”. هذا الحنين الأرمني لزمن المجزرة يطمح إلى استعادتها ليس بشكل يجعل هذه الذاكرة المؤلمة حربا ضد الألم وضد كل من يتسبب به، ولكن في سياق تعميمه كشكل نهائي للوجود. لم تصبح المجزرة الأرمنية خبرة في التعاطف الإنساني، ولكنها تحولت في الاستخدام الأرمني إلى محاولة لاحتكار الألم، ومنع تداوله إلا في سياق متصل بالمجزرة الأرمنية.

لا يستطيع أي ألم حي التعبير عن نفسه أمام فعل احتكار ألم بات بحكم الميت في ظل واقع أحوال الأرمن في لبنان، وفي أرمينيا، وفي العالم وفي تركيا الأردوغانية. إحياء ألم أماتته الوقائع والأزمنة، واستخدامه كوسيلة حربية ضد ألم حي يدرجه ضمن مشروع إبادة السوريين، وهكذا تكون الإبادة الأرمنية مفتاحا لسلسلة لا متناهية من الإبادات.

ليست بولا يعقوبيان ولا الأرمن هم من لديهم الحق في تأويل المجزرة الأرمنية في سياق أرمني بحت، بل إنه ما لم تصبح هذه المجازر محل إجماع الإنسانية جمعاء، فإنها ستبقى مقيمة في حيز دلالي خاضع للتشكيك وفقدان تمركز المعنى والدلالة والأثر.

ما لم يصبح الأرمني المقتول هو طفل الغوطة، وما لم ترتد الأمهات الأرمنيات المصلوبات وجوه أمهات سوريا المغتصبات، وما لم يسكن أطفال الأرمن المذبوحون في جسد حمزة الخطيب، فإن المجزرة الأرمنية لم تحصل. كل من لا يرى السياق السوري للمجزرة الأرمنية لن يكون مخطئا أو متوهما فقط، ولكنه سيكون قاتلا يطمح إلى تجديد المجزرة وتكريس الإبادات في أبد أسدي الروح والسكين. يعقوبيان ترى أن عليها أن “تنصح السياسيين بضرورة شد العصب عبر استنفار الغرائز الطائفية واستقطاب قاعدة جماهيرية عبر الاستعانة بخطاب تعبوي”. تقول “إزاء واقع لبناني مريض بالمذهبية والطائفية منغلق على نفسه وكاره للآخرين، لا يمكن أن يطلب من المدرب السياسي أمر مثالي كأن يكون مثلا شخصا عابرا للطوائف”.

بولا قالت أنها تحب جبران باسيل وأنها تجد فيه الكثير من الصفات الجيدة، وأنها حين التقت الرئيس السابق جوج بوش أحبته شخصيا، ولكنها شعرت بالذنب خلال المقابلة لأنها تركت ابنها البالغ من العمر أربعة أشهر.

تحب باسيل بغض النظر عن مواقفه العنصرية ضد السوريين، وتعجب ببوش بغض النظر عن مجازره بحق العراقيين، وتفضّل بشار الأسد بغض النظر عن مجازره. ما يجمع كتلة المواقف اليعقوبيانية هو غض النظر، وهو فعل أبشع من الشماتة.

كاتب لبناني

9