القديس نيقولاوس تحول إلى أشهر صديق لأطفال العالم

الأحد 2015/12/27
سانتا كلوز وبابا نويل وفايناختس مان الذي كان اسمه مار زوخي

عمّان - ربما يتعجب البعض أن الشخصية الشهيرة المعروفة عربيا وغربيا بـ"بابا نويل" أو "سانتا كلوز"، ليست من محض خيال الكتاب وصناع الأفلام السينمائية، فهي حقيقة ومأخوذة عن سيرة حياة القديس مار نيقولاوس. إلا أنها سيرة حافلة بالأمور الغريبة العجيبة التي لا تخلو من الأسطرة ومن إضافات دسّها النسّاخ فأربكت المؤرخين وشككت أحيانا المؤمنين.

مع ذلك فإن القصة مليئة بالمعجزات الباهرات التي باتت تعتبر حقائق تاريخية صادقة، اتفقت على صحتها نصوص القصة بلغات شتى، ولكثرة العجائب التي أجراها الله على يدي القديس نيقولاوس في حياته، وبشفاعته بعد انتقاله إلى كنيسة الأبكار المكتوبة أسماؤهم في السماء.

دُعي القديس نيقولاوس بـ”صانع العجائب”، فقد أقام موتى واشتهر بعمل الإحسان وتوزيع الصدقات على الفقراء، وهو الذي باع كل ما كان لديه من أملاك ووزّعه على المساكين، طبقا لوصية الرب الموجهة إلى الراغبين في الكمال.

اهتم نيقولاوس بالمعوزين، ومن وحي سيرته الفاضلة وأعمال الرحمة التي قام بها، ومن محبته للصغار، اتخذ لنفسه هيئة شخص وهمي يوزع الهدايا في عيد الميلاد المقدس سمّي “سانتا كلوز” أو “بابا نويل”.

اسم “سانتا كلوز” جاء من نطق اسمه بالإنكليزية “سانت نيكولاس”، واسمه السرياني (مار زوخي) يعني الفاضل المنتصر والظافر والنقي الطاهر.

السرياني القديم

ولد مار نيقولاوس في أواخر القرن الثالث للميلاد في بلدة باتار في آسيا الصغرى، وكان أبوه أبيفانوس، وأمّه تونة من أغنياء القوم في بلدهما. اشتهرا بمخافة الرب، وتوزيع الصدقات، وكانا عقيمين، يواصلان الصلاة إلى الله والطلب منه بأن يرزقهما طفلا.

استجيبت دعواتهما. وولد لهما ولد سمياه نيقولاوس. اهتما بتربيته التربية المسيحية الصالحة، وبتلقينه العلوم الروحية إلى جانب العلوم الدنيوية، وشعر معلموه بقوة النعمة الإلهية التي أسبغت عليه بوفرة، إذ ساعد رفاقه في تحصيل العلم وفي ممارسة أعمال الفضيلة، منذ نعومة أظفاره، فرسّم شمّاسا، ثم ترهّب في دير كان ابن عمه رئيسا عليه، فأظهر فيه من الإيمان والعبادة ما تعجز عنه طاقة البشر.

الكنائس المسيحية الرسولية الشرقية والغربية تكرم القديس مار نيقولاوس. الذي دونت قصته بلغات شتى نقلا عن اللغة السريانية. وتذكر المخطوطات أن القديس نيقولاوس كان قد شارك في مجمع نيقية سنة 325

القديس المعطاء

إثر وفاة والديه، وزّع مار نيقولاوس أمواله الطائلة على الفقراء والمعوزين، ويحكى أنه ذهب ليلا إلى رجل كانت له ثلاث بنات جميلات، كدن يهوين في وهدة الرذيلة لإنقاذ أفراد العائلة من الجوع والفاقة، فرمى إليه نيقولاوس من النافذة صرّة من المال وتوارى عن الأنظار، فلما استفاق الرجل صباحا وجد المال، فعدّ ذلك هبة من الله، فتاب إليه وشكره على عنايته الإلهية، وجهّز ابنته الكبرى بذلك المال، وزوجها من شاب يخاف الله، فلما سمع القديس نيقولاوس بذلك، فرح كثيرا وأعاد الكرة ورمى صرة ثانية من المال، استخدمه الرجل لزواج ابنته الثانية.

ولكن الرجل قد تاق إلى معرفة السر الكامن وراء هذا الإحسان الكبير، أخذ يسهر الليالي مترقبا وإذ عاد القديس للمرة الثالثة، ورمى بصرة المال من الكوة، لحق به الرجل وأمسكه، وعندما عرفه خرّ ساجداً شاكرا، فطلب إليه نيقولاوس أن يكتم اسمه وألا يخبر أحدا لأن الرب أوصى في ميدان الإحسان، ألا يُعلم الإنسان شماله ما تفعله يمينه، أما ذلك الرجل فلم يتمكن من كتم الخبر، إذ راح ينشره بين أصدقائه وجيرانه، فعطر اسم مار نيقولاوس تلك المنطقة بكاملها.

نصير الشعب

من القصص التي تروى عن اهتمام القديس نيقولاوس بشعبه، أن الحاكم يوستاثيوس أخذ رشوة ليحكم على ثلاثة رجال أبرياء بالقتل في مدينة ميرا الواقعة في آسيا الصغرى القديمة.

وفي وقت تنفيذ الحكم حضر القديس نيقولاوس إلى المكان وبمعجزة شلت يد السياف وأطلق سراح الرجال، ثم التفت إلى يوستاثيوس وحركه للاعتراف بجريمته وتوبته، وكان حاضرا هذا الحدث ثلاثة من ضباط الإمبراطور كانوا في طريقهم إلى مهمة رسمية.

وحين عادوا إلى القسطنطينية حكم عليهم الإمبراطور قسطنطين بالموت بسبب وشاية كاذبة من أحد الحاقدين. تذكر الضباط ما سبق أن شاهدوه في ميرا من قوة حب وعدالة أسقفها، فصلوا إلى الله لكي يحظوا بشفاعة هذا الأسقف للنجاة من الموت.
هدايا للأطفال في عيد الميلاد المقدس "سانتا كلوز"

في تلك الليلة ظهر القديس نيقولاوس للإمبراطور قسطنطين وهدده إن لم يطلق سراح الأبرياء الثلاثة، وفي الصباح أرسل واستدعاهم للتحقيق معهم، وحين سمع أنهم تشفعوا بالقديس نيقولاوس الذي ظهر له، أطلق سراحهم في الحال وأرسلهم برسالة إليه طالبا منه ألا يهدده بل يصلي من أجل سلام العالم.

وتذكر المخطوطات أن القديس نيقولاوس كان شارك في مجمع نيقية سنة 325 و”فنَّد مع آباء المجمع بدعة آريوس معترفاً بالإيمان المستقيم الرأي”.

ظلت هذه القصة لمدة طويلة من أشهر معجزات القديس نيقولاوس، ولما أكمل سعيه انتقل إلى الرب في ميرا ودفن في كاتدرائيتها، وكانت أيام حياته تقترب من الثمانين سنة، منها حوالي أربعين سنة أسقفا.

من آسيا إلى العالم

بعد موته انتشرت سيرته العطرة وعمّت أماكن عديدة في روسيا وأوروبا خاصة ألمانيا وسويسرا وهولندا، وكان الناس يتبادلون الهدايا في عيد الميلاد على اسمه، وبدأت الحقيقة تختلط بالأسطورة. أما الفرنسيون فسمّوه بابا نويل وهي تعنى “أب الميلاد”.

ظن البعض أن موطن بابا نويل هو السويد، وذهب البعض الآخر إلى أن موطنه فنلندا خاصة وأن هناك قرية تدعى قرية بابا نويل يروّجون لها سياحيا على أنها مسقط رأس بابا نويل، ويزورها نحو 75 ألف طفل سنويا.

ومع اكتشاف أميركا حمل المهاجرون معهم قديسيهم ومنهم القديس نيقولاوس أو سانت نيقولا وتطور الاسم حتى صار سانتا كلوز.

الصورة الحديثة لبابا نويل ولدت على يد الشاعر الأميركي كليمون كلارك مور حيث كتب سنة 1821 قصة حول أعياد الميلاد أظهر فيها سانتا كلوز الطيب بوزن زائد وعصاه وقد تحولت إلى حلوى، وتاج الأسقف وقد تحول إلى قبعة، وعوض بغلته بقطيع من الغزلان، وألغى الكاتب بالتالي موروث القديس القديم، وكتب سنة 1823 قصيدة بعنوان “الليلة التي قبل عيدالميلاد” يصف فيها هذا الزائر المحبّب ليلة عيد الميلاد.

قام بعدها الرسام الأميركي توماس نيست في جريدة هاربرس بإنتاج أول رسم لبابا نويل، كما نعرفه اليوم، بذقنه البيضاء الطويلة وحذائه الأسود اللامع، وقد قرر نيست عام 1885 أن يقيم سانتا في القطب الشمالي وقد تابع الكاتب الأميركي جورج ويبستر سنة 1886 فكرة نيست وكتب عن معمل الألعاب وبيت سانتا الذي يقيم فيه خلال العام في ثلوج القطب الشمالي.

ثوب بابا نويل الأحمر

لم تحدّد قصائد وقصص عيد الميلاد لون لباس سانتا كلوز، لذلك تبدّل لونه في رسومات توماس نيست طوال ثلاثين عاما، حتى بدأت شركة كوكا كولا إعلانات موسم الميلاد قرابة العام 1920، حيث استعملت رسم توماس لسانتا كلوز، ثم استعانت بالرسام هادون ساندبلوم لجعل الرسومات أكثر واقعية عام 1931، ومنذ ذلك الحين لم يفارق اللّون الأحمر ثياب بابا نويل.

الرسام الأميركي توماس نيست يظهر للعالم لأول مرة في جريدة هاربرس أول رسم لبابا نويل، كما نعرفه اليوم، بذقنه البيضاء الطويلة وحذائه الأسود اللامع، وقد قرر نيست عام 1885 أن يجعل سانتا ساكنا في القطب الشمالي وقد تابع الكاتب الأميركي جورج ويبستر سنة 1886 فكرة نيست وكتب عن معمل الألعاب وبيت سانتا الذي يقيم فيه خلال العام في ثلوج القطب الشمالي

شركة كوكا كولا نفت أن تكون قد حددت اللون الأحمر ليكون لون شعار مشروبها، لكنّها حتى لو لم تفعل، فإن إعلاناتها رسّخت بالتأكيد ارتباط هذا اللون بسانتا كلوز الذي أصبح أبديا بعض الشيء، وبالتالي أعطت أهمية كبيرة للون الأحمر في عيد الميلاد، ومن وقتها انتشر بابا نويل في ثوبه الجديد وصار من أشهر الشخصيات التي يحبها الأطفال في كل أنحاء العالم، ومع تغيّر المكان تخلى سانتا كلوز عن حماره الذي كان يحمل عليه الهدايا والألعاب ليمتطي زحافة على الجليد يجرها ثمانية غزلان يطلق عليها حيوان “الرنة” ذو الشكل المميز.

تروي الحكايات أن بابا نويل يضع للأطفال الهدايا داخل جوارب صوفية يعلّقونها فوق المدفأة في منازلهم. حيث كان يتسلل من خلال فتحة المدفأة حتى لا يراه الأطفال ليلا ويفاجأون بالهدايا في الصباح فيتملّكهم السرور. ويرى خبراء في علم النّفس أن قصة سانتا كلوز تنّمي مخيلة الأطفال عن طريق جعل الخيال جزءاً من الواقع، حيث ارتبط اسم سانتا كلوز أو بابا نويل بلباسه الأحمر ولحيته البيضاء وكيس الهدايا وزلاّجته التي تجرّها الوعول بالبهجة والسرور في نفوس جميع الأطفال مع إطلالة عيد الميلاد.

بابا نويل بطل سينمائي

غالبا ما يكون للفن السابع حصة كبيرة في عيد الميلاد، وما يرافقه من أجواء فرح ومحبة وأساطير تتمحور حول بابا نويل وأقزامه وألعابه، حيث شكل لعقود مادة دسمة لمختلف المنتجين السينمائيين.

كثيرة هي الأعمال التي علقت في الذاكرة السينمائية وارتبطت بالشخصية الشهيرة، وقامت بتكريس النمط الغربي الاحتفالي بالمناسبة الدينية من جهة، وحوّلتها إلى مناسبة سينمائية قائمة بذاتها من جهة أخرى، منذ الفيلم الشهير “إنّها حياة رائعة” عام 1947 للمخرج الأميركي فرانك كابرا.

شخصية كرنفالية تسعد ملايين الأطفال

فيلم “الميلاد الأبيض” عام 1954 أيضاً للمجري الأميركي مايكل كورتيز، والفيلم الشهير “سانتا الشرير” عام 2003 للأميركي تيري زويغوف، ولا ننسى السلسة السينمائية “وحيد في المنزل” و فيلم “سانتا كلوز جاك فروست”، كلها تدور تقريبا في سياق واحد. تحاول بث روح الحب والتسامح بين الناس في فترة الأعياد المجيدة. جميع هذه الأفلام جذبت الملايين من المشاهدين والملايين من الدولارات أيضا، خصوصا أن معظمها كان ينجز بتكلفة بسيطة ويدرّ أرباحا هائلة.

القديس وشرقه اليوم

تغيب النسخة العصرية لسانتا كلوز من الموروث المسيحي في الشرق الأوسط، لكن الكتب المقدسة تتحدث عن شخصية قريبة من الأطفال تسمى القديس نيقولاوس، حيث ارتبط من بين الأشياء التي ارتبط بها، بالمناخ الثلجي الذي تعرفه أوروبا والغرب عموما وليس منطقة الشرق الأوسط، وبهذا أصبح المجتمع الشرقي يقلّد الغرب في الاحتفال بهذا القديس الذي لا وجود له في ثقافته.

أما في مصر فقد انتشر بابا نويل في الكنائس القبطية في احتفالها برأس السنة الميلادية، وأصبح رمزا شعبيا للاحتفال بالعام الجديد ونسى الكثيرون أنه قديس ومعترف به في الكنيسة الأولى، كنيسة القرن الرابع الميلادي.

ومن مصر انتقلت شخصية القديس نيقولاوس إلى بقية الدول العربية ذات الأغلبية الإسلامية، لكن الاحتفال به لم يقتصر على الأطفال المسيحيين بل عشقه الكثير من أمثالهم المسلمين، لتخرج شخصية بابا نويل من إطارها الديني وتصبح كرنفالية تسعد ملايين أطفال العرب.

ومع بداية ثورات الربيع العربي استغلت هذه الشخصية للدلالة الثورية، حيث انتشر بابا نويل بين ثوار ساحة التحرير في ثورة الشعب المصري ضد حكم حسني مبارك، لتنتقل إلى سوريا حيث جسدها الشباب السوري في الكثير من مظاهر رفضهم لاستبداد حكم الأسد، فانتشرت السكيتشات الكوميدية التي تقول إن الحواجز العسكرية لقوات بشار الأسد ألقت القبض على بابا نويل، في إشارة منهم إلى أن تلك الحواجز لا تفرق بين جميع أفراد الشعب، حتى من يزرع الفرحة على وجوه الأطفال.

9