مارس 20, 2018

القذائف كابوس ينكأ الندوب النفسية

سكان العاصمة السورية دمشق يعانون من الصدمات النفسية بسبب مخلفات الحرب على جيرانهم وأقاربهم ممن يسكنون في مناطق الصراع.
من يجازف بالخروج إلى الشارع

دمشق – يعيش السوريون في العاصمة دمشق وضواحيها على قلق انتظار انتهاء المعارك الدائرة في الغوطة الشرقية والتي عطلت سير حياتهم، فالمحلات وخاصة المطاعم والمقاهي أغلقت أبوابها لقلة الزبائن بعد أن باتوا خائفين من أن تصيبهم قذيفة تودي بحياتهم وهم في الشارع أو في محل عام.

أمام صورة كبيرة لشابين مبتسمين، يضيء أصدقاء الشقيقين كريم ونايف قباني في إحدى ضواحي دمشق، الشموع إحياء لذكراهما بعدما قضيا جراء قذيفة أطلقتها فصائل المعارضة من الغوطة الشرقية على جرمانا.

في أحياء العمارة والقصاع وباب توما وحي الأمين ومناطق أخرى من دمشق يترقب السكان الذين أرهقهم “كابوس” القذائف بفارغ الصبر، انتهاء معارك الغوطة الشرقية وعودة الحياة إلى طبيعتها.

في جرمانا يقفز رواد شحادة (28 عاماً) فوق حفرة خلفتها القذيفة التي أودت بحياة صديقه كريم، ويشير إلى جدار بعيد قائلا “كل الجدران باتت مليئة بصور الشهداء، وعندما تُرفع صورة جديدة أخشى أن أنظر إليها، أخاف أن أجد أحدا أعرفه”.

ويضيف رواد الذي يعمل في ناد رياضي “أنام يوميا بقلق، ولا أدري ما إذا كنتُ سأستيقظ حيّا أم سأموت”.

ويعاني سكان دمشق من الصدمات النفسية رغم أنهم لم يعيشوا المعارك الدائرة بين قوات الأسد والمعارضة بشكل فعلي، ولكن مخلفات الحرب أثرت فيهم فحكايات جيرانهم وأقاربهم ممن يسكنون في مناطق الصراع خلفت لهم ندوبا نفسية جعلتهم يعيشون حالة من الإحباط، ويخافون من متابعة الأخبار وسماع دوي القذائف وصوت الرصاص.

ترفع رؤى (30 عاما)، العاملة في منظّمة إنسانية، صوت الموسيقى عاليا في منزلها بشرق دمشق في محاولة لتجاهل أصوات الاشتباكات على بعد المئات من الأمتار. وتقول إنها قررت أيضا عدم متابعة الصفحات الإخبارية على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي. لكن هروبها من الواقع المأساوي لا يستمر طويلا، إذ تقول “أهرب من الحرب وتفاصيلها لكننا نعيش فيها وتلحق بي أينما ذهبت”.

وتضيف “أصوات الانفجارات متواصلة طوال الليل والنهار، سائق التاكسي يستمع إلى نشرات الأخبار، الناس في الشارع يتحدّثون عن القذائف، وسيارات الإسعاف تحمل الجرحى إلى المستشفى المجاور على مدار الساعة”.

على غرار رؤى، تحاول زين خزام (27 عاما) تجاهل الأخبار، لكن ذويها القاطنين في حلب يترقبون انتهاء العمليات العسكرية في الغوطة الشرقية بفارغ الصبر للاطمئنان على ابنتهم.

وتروي المسعفة في منظمة إغاثية “أصبحت أمّي تطلب منّي أن أرسل إليها ‘نقطة’ فقط على (تطبيق) واتساب كل ساعة، كي تطمئن (وتتأكد من) أنني على قيد الحياة”.

أما كنانة (34 عاما) فتتابع أخبار المعارك بشكل منتظم خوفا على ابنها الوحيد ميّار الذي لم يتجاوز عمره الأربع سنوات.

مشاهد مؤلمة رسخت في ذاكرة أطفال سوريا
مشاهد مؤلمة رسخت في ذاكرة أطفال سوريا

وتقول “أتمنّى أن تنتهي هذه الحرب المجنونة قبل أن يكبر ابني أكثر، لا أريده أن يعيش ما عشته، وليس لدي جواب إذا سألني لماذا يحصل هذا كلّه”.

وتقطن كنانة في شرق دمشق الأقرب إلى الغوطة الشرقية، وتروي قائلة “أصوات الانفجارات تختلط في منطقتنا، أستطيع تمييز صوت انفجار الهاون من انفجار المدفعيّة، أشعر بأن هناك تنافسا بين الصوتين”.

وتزداد مخاوف الأهالي على مصير أبنائهم الصغار، فتجدهم يتحايلون للنجاة من القذائف، فمنهم من لجأ إلى الأقبية، ومنهم من اختار أن يتجمع مع عائلته في غرفة ضيقة والامتناع عن الخروج إلى الشرفة أو البقاء في غرفة ذات شبابيك مطلة على الشوارع، متذكرين كل القصص التي أودت بجيرانهم الذين استجابوا لرغبة أطفالهم في الخروج للعب قليلا أو الجلوس في الشرفة فأودت بحياتهم قذيفة لم يحسبوا لها حسابا.

يجبر حازم زوجته ريما على الالتزام بالجلوس في غرفة الصالون المغلق مع طفليهما رغم ضجرها من هذه الوضعية التي جعلتها سجينة لا تعرف حتى حرية التنقل في بيتها، لكن زوجها يذكرها بما وقع لجارهم طوني الذي خرج ليلعب مع طفله في ساحة أمام البيت فأودت بحياتهما قذيفة طائشة تركت زوجته أرملة، ويذكرها بقصص أخرى كثيرة.

في المدينة القديمة، في حي باب توما الشهير بالمقاهي والمطاعم الشعبية والبيوت الدمشقية القديمة، ألغت مطاعم عدة برامجها الترفيهية بسبب نقص الزبائن.

في حي باب شرقي بدمشق يعد ملحم ملحم -صاحب أحد المقاهي- عدد القذائف التي سقطت في محيط محله خلال السنوات الماضية، ويقول “وصل (العدد) إلى 25”.

ويخشى ملحم (38 عاماً) أن تسقط القذيفة التالية في محلّه. ويقول بحسرة “تحولت منطقة باب شرقي من مكان للسهر والحياة إلى مكان ينام الناس فيه باكراً”.

وتتصاعد سحب الدخان من جوبر وعين ترما ويمكن رؤية الطائرات الحربية بوضوح وهي تقصف المنطقة. ويتجمّع العاملون في المقهى الذي بات شبه خال من الزبائن، يوميا لمتابعة نشرة الأخبار.

ويقول ملحم الذي يضع على رأسه قبعة صغيرة “أغلقت الكثير من المحلات أبوابها، بعدما هرب الزبائن خوفا من القذائف، لكنني سأصبر ريثما تنتهي عمليات الجيش، حينها سيعود كلّ شيء إلى ما كان عليه”.

20