القراءة تمحو الجهل المتطرف

بضع دقائق مع الكتاب، أي كتاب، يمكن أن تفتح بصيرتنا على الكثير من الأمور التي نجهلها، وتجعلنا نرى الحقائق الجلية بأمهات عيوننا.
الجمعة 2018/03/09
ترسيخ عادة القراءة لدى الأجيال

تواجه المجتمعات العربية تحديا كبيرا وخطيرا جراء عزوف شعوبها عن المطالعة، غير أن معظم الحكومات لا تولي اهتماما كبيرا لذلك، إما بسبب الاستهانة بمثل هذا الأمر، وإما لأن منطقة الوعي لدى الأغلبية توقف فيها الزمن، ولا تستشرف ما يمكن أن يصيب بلدانها في المستقبل، إذا لم تحتل القراءة حيزا مهما في فكر الأجيال القادمة، ولم يعد الكتاب يحرك فيهم الرغبة في الاطلاع والمطالعة.

تقول الروائية الأميركية جين سمايلي “العديد من الناس وأنا من بينهم يشعرون بأنهم أفضل حالا بمجرد النظر إلى الكتاب”. ولكن وجود الكتاب أو غيابه لم يعد يعني الكثير بالنسبة لمعظم المواطنين العرب، فنحن شعوب لا تقرأ، هذه حقيقة لا مناص من الاعتراف بها، ولكن لا يجب أن تغفل عنها الحكومات وتواصل دفن الرؤوس في الرمال كما تفعل طيور النعام حتى لا ترى أو تسمع ما يدور حولها.

هذه السكينة والقصور الحاصل في المبادرات التي من شأنها أن تحفز النشء على المطالعة وتوثق علاقاتهم بالكتب، قد يعودان بنا إلى قرون الظلام، وأعتقد أننا على أعتابها.

حينما لا تقرأ المجتمعات يعم الجهل وتتغول الخرافات ويصبح الناس أشبه بالحيوانات التي تأكل وتشرب وتفترس بعضها، ولعل ما تعيشه اليوم البعض من الدول العربية من صراعات واقتتال على خلفيات واهية، أكبر دليل على أن الجهل المتطرف قد عشش في الرؤوس وفرخ عقولا بائسة متحجرة، لا تعرف غير لغة الدم والغاب.

يقول روبرت بروكتور المؤرخ بجامعة ستانفورد الأميركية “نحن نعيش في عالم من الجهل المتطرف، ومن باب المعجزة أن تسمع الحقيقة في وسط كل هذا الضجيج”.

المطالعة أداة فعالة للقضاء على مثل هذا الجهل الذي ينتشر عندما لا نقرأ وننمي خبراتنا المنقوصة في فهم العالم المحيط بنا، وأيضا عندما تعمل جماعات المصالح عن سبق إصرار وتعمد على جعلنا لا نرى سوى الصور المزيفة للحقائق التي تروج لها.

بضع دقائق مع الكتاب، أي كتاب، يمكن أن تفتح بصيرتنا على الكثير من الأمور التي نجهلها، وتجعلنا نرى الحقائق الجلية بأمهات عيوننا، وتقدم لنا حلولا لا حصر لها لمشاكل سبق وأن اعتقدنا أنها مستعصية. في متن الكتب توجد دائما تجارب وخبرات عديدة لأناس عايشوا نفس مشاكلنا، لذلك علينا أن نترك هواتفنا جانبا لبضع دقائق ونمسك كتابا.

تبدو مسؤولية إنعاش القراءة في العالم العربي جسيمة، ولكنها غير مستعصية، فبإمكان الحكومات أن توظف التلفزيون والمؤسسات التعليمية وبعض الفضاءات العامة لقيادة حملات تحفز النشء على المطالعة وتوطد علاقة الناس بالكتاب، فالسلوكيات البشرية تتشكّل في النهاية انطلاقا من التأثير والتأثر.

وقد استطاعت سنغافورة بتطبيق “نظرية التحفيز” التي تقوم على فكرة أن الناس يمكن توجيههم لاتخاذ القرارات الأفضل، بناء مجتمع متعلم ومتطور ويحظى باحترام وإعجاب العالم. وتتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة استراتيجيات مشابهة من أجل تنمية وبناء مجتمع حضاري متسامح ومتماسك.

ويعد شهر القراءة الذي انطلقت فعالياته مؤخرا في الإمارات بمبادرة نوعية، دعمت فيها الحكومة المكتبات المدرسية بمليون كتاب جديد، في شتى المجالات الثقافية والفكرية والمعرفية، مثالا يجب التنويه به وبالجهود الكبيرة التي يبذلها حكام الإمارات بهدف ترسيخ عادة القراءة لدى الأجيال وتجذيرها في المجتمع. فما أحوج جميع الدول العربية إلى مثل هذه المبادرات وحملات التوعية التي تحث الشعوب تلقائيا على اختيار ما يناسب مصلحتها العامة.

21