القراءة في العصر الرقمي

الخميس 2015/11/12

قبل بضعة أعوام، كان المترو الباريسي مكتبة متنقلة، ترى الركاب فيه، شيبا وشبابا، منهمكين في قراءة الكتب والصحف والمجلات. وكانت العربات في سكينة المكتبات، يكاد لا يندّ فيها صوت يشوّش على القراء انغماسهم، حتى في ساعات الاكتظاظ، لا يستثنى من ذلك غير العرب والأفارقة وبعض أصلاء شرقي آسيا من السريلانكيين والفلبينيين والهنود والباكستانيين، الذين كانوا يستوفون نومهم، أو يتهالكون على المقاعد في صمت، يمدون البصر إلى أفق خاص بهم وحدهم. ونادرا ما ينشأ بينهم حديث.

أما اليوم، فقد تقلصت القراءة إلى الحد الأدنى، ونابت عنها الوسائل التقنية الحديثة، فالجميع منصرفون إلى آلاتهم ينقرون أزرارها بسرعة عجيبة، والسماعات في آذانهم، وعيونهم تتابع الشاشة بتركيز كبير، وكأنهم سيعيدون اكتشاف نسبية أينشتاين. ومن النادر أن تظفر في هذه العربة أو تلك بقارئ أو قارئة، خصوصا وأن السكون المعتاد مزقته المكالمات الهاتفية، المسموعة في شتى لغات العالم، وكأن الذين لا يقرؤون ممن ذكرنا أعلاه يتشفون بمراكمة الهذر عبر الهاتف، طوال الرحلة.

زد على ذلك شباب الضواحي الذين يعز عليهم أن يسمعوا وحدهم أغانيهم المفضلة من موسيقى الراي والراب والهيب هوب… حتى بعض من لا تزال الكتب والمجلات تستهويه، ما عاد يجد التركيز اللازم، فكم مرة يرن هاتفه الجوال، فيضطر إلى الإجابة نطقا أو كتابة، وكم مرة يطوي الكتاب ليتفقد شاشة جهازه، أو يقرأ ما انطبع على صفحته، وكم مرة يرفع نظره مستنكرا مكالمة يجريها هذا المسافر أو ذاك فوق رأسه ليشيع خبايا حياته بين الناس، ويطلعهم على ما يهوى منها وما يكره. وبذلك قلّ عدد القراء في المترو، ولم يبق غير نفر من المنتمين إلى جيل ما قبل العصر الرقمي يحاولون ما وسعتهم الحيلة أن يغنموا رحلاتهم بالقراءة وسط صخب لا يني يستشري ويفسد عليهم متعتهم.

في حديث لجريدة لوموند عام 2013، قال فيليب روث “إن عدد القراء الحقيقيين، أي أولئك الذين لا يلهيهم عن القراءة شيء، ولا يقعون في فخ التلفزيون، ولا يتوقفون كل خمس دقائق لشراء حاجة ما من الإنترنت أو للتحادث في الهاتف، في تناقص”. أما الجيل الجديد، فقد استعاض عن الكتب بالويكيبيديا والمدونات والمواقع الإلكترونية يغرف منها حاجته للمعرفة، لأنه ما عاد يجد متسعا للوقت كي يزور المكتبات ويغوص في بطون الكتب القيمة. ويقينا أن هوميروس لو قدر له أن يكتب الأوديسة لجيل الإنترنت لصاغها كما يلي: “أوليس، عد، زوجتك في انتظارك”.

كاتب من تونس

15