القراءة مشروع صداقة واعدة

الثلاثاء 2016/09/20

ليست جميع الكتب تقرأ لمرة واحدة، ثمة كتب نقرأها لمرات عدة. ليست لكونها عصية على الفهم، بل لأننا في حاجة ماسة إلى بساطتها التي تقول أشياء كثيرة، لملامسة عوالمها المفعمة بالدعة والألفة والأمنيات البليغة. فعل القراءة أشبه بعلاقة ملآى بالوعود. هي دائما بمثابة العيش في حياة مختلفة، حاشدة بالعاطفة، والشغف، والتطلع، وعلى نحو لا يستطيع الواقع مضاهاتها. حالة شغف ذهني وحسي، تجاه فعل يمنحنا هبة التأمل في أنفسنا والتساؤل عن الحياة. إننا نقرأ لنبحث ونجد ونحب. وكل كتاب هو اكتشاف ورحلة مأمولة بالجديد والمختلف.

قراءة كتب بعينها لمرتين أو أكثر، هي مثلما نملأ فجوة في إنسانيتنا التي تعاني من النقص. أو حينما نشعر أن أرواحنا لا تزال تعاني من البرد، فالخيال قادر، كذلك، على أن يمنحنا قدرا من الدفء. حاجة مثل هذه لا تعرّف، تبدو خفية لسريتها، لكننا نعلم أنها ماثلة فينا، لذا نجدنا نحافظ على البعض من الكتب وكأنها بمثابة أشيائنا الخاصة، فقدانها يسبب لنا الأسى، تلك التي احتفظت بآثار وجودنا معها.

لا خلاف على أن القراءة تاريخ نشترك فيه، نحن القراء، بوصفه علاقة. فالكتاب لا ينتمي إلى الكاتب وحده، بل ينتمي إلى القارئ أيضا. تذكر الكاتبة الأميركية، سوزان سونتاج، أن “الكتب ليست فقط محبسا قسريا لأحلامنا وذاكرتنا، بل إنها تهبنا أيضا نموذجا لسمو الذات… وهي طريق لكمال إنسانية الفرد”.

القراءة توصي، أيضا، بقدر من الفرادة في ممارستها، المولعون بالقراءة هم متفردون على نحو خاص، ولكل منهم طقسه الذاتي في علاقته مع الكتاب. عبر هذا التعليل، لطالما أجد نفسي أكثر انجذابا لكتب قد قرأتها في السابق، لما تمنحني إياه من ألفة، بخلاف الكتب الجديدة، التي ينتابني تجاهها شعور لايخلو من التردد، إلا إذا كنت مطلعا على مضمونها من مصدر ما، أو أن كاتبها من الذين أواظب على متابعتهم. إن كل جديد لا يخفي غموضه!

تكاد القراءة الثانية أن تكون مشروع صداقة. إعادة قراءة كتاب ما، هي اعتراف ضمني وغير مصرح به، يشهد على تقديرنا الخاص بمحتواه ووجوده. التأكيد من كون القراءة ذاتها، ممكنة، ودائمة ومتعددة. محاولة الاتصال بوجود مازالت بعض ملامحه خفية عنا. البحث عن وفرة من الإجابات نشعر بالحاجة إلى حضورها، أو السعي إلى أن نكون جزءا من أفكار ومشاعر وخيالات وذكريات تحضر ثانية بشكل مختلف. إنها علاقتنا الحميمة بالماضي الذي نعرفه والذي سنعاود الوصول معه إلى الأبعد.

لمرتين فقدت أحد كتبي الأثيرة لدي، حينما عثرت عليه بعد سنوات في مكتبة صغيرة لبيع الكتب في شارع المتنبي ببغداد، واقتنيته لمرة ثالثة، كنت كمن التقيت بـ”صديقة” فارقتها منذ سنوات. تبقى لكل قراءة نبرة خاصة بها، ستكون القراءة الثانية ذات صوت خفيض لفرط ألفتها.

24