القراءة واللاقراءة

الأحد 2017/10/01

صار الحديث عن أهمّية القراءة والحاجة إليها مكرورا من فرط استهلاكه، خصوصا في مجتمعات عربية مستغنية تمامًا عن الكتاب غير مقتنعة بضرورته. والغريب أنّ الحديث عن القراءة صار يُختزَل في التلقِّي الضيّق للكثيرين في قراءة القصص والرّوايات خلال أوقات الفراغ. والحال أن مفهوم القراءة أشمل والحاجة إليها أعمق من أن نربطها بالأدب فقط أو بأوقات الفراغ وحدها.

فنحن نحتاج لأن نقرأ ليس فقط لتزجية الوقت، بل لكي تكتمل مواطنتُنا وتترسّخ. فإلى جانب الترفيه والتثقيف تُعتبر القراءة فعلا مُواطِنًا لا غنى عنه في معركة التأهيل السياسي والحقوقي للشعوب. بل يمكن للقراءة أن تكون الأداة الأكثر فعالية لإشاعة ثقافة المواطَنة والآلية الأنجع للترويج لقيم الحرية وحقوق الإنسان. فيما يساهم عدم احتضان المواثيق التي تحدّد حقوقنا وواجباتنا وتؤطّر حياتنا وعيشنا المشترك داخل بلداننا بقراءتها أوّلًا ثم التداول بشأنها بعد ذلك، في الحدّ من فعاليتها وتأثيرها لتبقى مجرّد حبر على ورق.

حينما أفضى حَراك الشارع المغربي في بدايات “الربيع العربي” إلى بلورة ميثاق دستوري جديد سنة 2011 كان هناك إجماع على أنَّ الدستور الجديد وثيقة عصرية تحترم مواثيق حقوق الإنسان وتؤسِّس لديمقراطية تشاركية حقيقية. ومُنذئذٍ، والمغاربة يطالبون بـ”تنزيل” الدستور وإعمال كل فصوله لكن هذا المطلب السياسي كثيرًا ما كان يصدر عن أطراف لم تكلّف نفسها حتى عناء قراءة هذه الوثيقة.

لذا كنت أتساءل: كم من المغاربة اقتنوا نُسخًا من الدستور الجديد وقرأوه فعلا قبل أن يحتفظوا به في مكتباتهم ليعتمدوه مرجعًا يعودون إليه كلما تمَّت الإحالة على أحد فصوله في النقاش العمومي؟ هل يمكننا المطالبة بتنزيل دستورٍ لم نقرأه أصلا؟ أليست قراءة الوثيقة الدستورية جزءًا أساسيًا من تملُّكِنا الجماعي لها؟ نفس السؤال يمكن طرحه على مدوَّنةِ السير وغيرها من القوانين.

هذا عن القراءة باعتبارها ممارسة شخصية تقع تحت مسؤولية الأشخاص الذاتيين. لكن ماذا عن القراءة العمومية؟ هل هناك قناعة لدى الدولة بأنَّ تعميم النصوص الأساسية وإتاحتها للمواطنين عبر التوزيع الجيد جزء لا يتجزّأ من “تنزيلها” والتوطيد لها داخل المجتمع؟ ما هي آليات النشر والتوزيع المتاحة عمليًا في هذا الإطار؟

وإذا كانت القراءة شأنا شخصيًا فإن القراءة العمومية مسؤولية الدولة. فهذه الأخيرة ملزَمة بتمكين مواطنيها من الوصول إلى الدساتير والوثائق الأساسية بأثمان رمزية أو بالمجّان، إذا اقتضى الحال لتلبية حاجاتهم الفعلية أو المحتملة من المعارف والمعلومات، وفي هذا الإطار تحضر المكتبة العمومية كمطلب حيوي يجب أن تتضافر جهود جميع قطاعات الدولة من أجل تعزيزه.

مرةً، أتيح لي أن أشارك في ندوة مع أعضاء هيئة حقوقية مغربية. فكان أن قرأتُ “الأرضية المواطِنَة للنهوض بثقافة حقوق الإنسان” ثم “خُطّة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان” في إطار التحضير للندوة التي تصوّرتُ أنّني سأشارك فيها مع أهل العلم ممّن يتملَّكون الموضوع أكثر منّي. لكنّني فوجئت وأنا أحيل على الوثيقتين المرجعيّتين أكثر من مرة خلال مداخلتي بأن العديدين لم يكونوا على اطّلاع عليهما.

هكذا ضيعنا الكثير من الوقت والجهد وتهنا أكثر من مرة في دوامة التأويل فقط لأننا لم نؤطر نقاشنا وعملنا بمقروء مرجعي المفروض أن يشكل أرضية للنقاش أولًا ثم للعمل المشترك فيما بعد بالنسبة إلى المناضلين الحقوقيين. هكذا حتى المناضلون في مجال معيّن يكتفون بنواياهم الطيبة وشعاراتهم المبدئية الطنّانة ويستغنون بها عن المعرفة الصادرة ليس عن تعمّق أو تخصّص بل فقط عن قراءة -مجرد قراءة- للنصوص والوثائق التي تؤطّر فعلهم.

كاتب من المغرب

11