القراؤون اليهود أسقِطوا من التاريخ لمعاداتهم السامية

السبت 2014/09/13
جعفر هادي حسن يتتبّع الجوانب الخفية لتاريخ اليهود القرائين

صدر عن “مؤسسة العارف للمطبوعات”، في بيروت، 2014، الطبعة الثانية لكتاب “تاريخ اليهود القرّائين، منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر”، من تأليف الباحث جعفر هادي حسن، وهو أستاذ جامعي عراقي مختص في الدراسات اليهودية واللغة العبرية واللغات السامية الأخرى.

يؤكد الباحث جعفر الهادي حسن في مقدمته للكتاب على أهمية الكتاب في اللغة العربية قائلا: “لقد مرّ أكثر من عشرين سنة على الطبعة الأولى من كتابي هذا عن اليهود القرّائين، وقد رأيت من المفيد إصدار طبعة جديدة له، بعد مرور هذه الفترة الطويلة. ومما شجعني على إصدارها، هو أن الكتاب ما زال متفردا في موضوعه. وكذلك ظهور الكثير من الدراسات والكتب عن القرّائين باللغات الأجنبية، سواء مما حقق من مؤلفاتهم، أو التي أصدرها غيرهم من الباحثين والمختصين”.


يهود ضد التلمود


يقول الباحث: “استفدت من هذا كثيرا في هذه الدراسة، لما احتوته هذه الدراسات من معلومات جديدة، تلقي الضوء على جوانب مختلفة من حياتهم. وكان للمخطوطات والوثائق التي عثر عليها في نهاية القرن التاسع عشر -بداية القرن العشرين- في جنيزة القاهرة، ولمثلها مما كان قد جمعها أبراهام فرقوفتش (أحد علمائهم الكبار)، أثر كبير في تقدم هذه الدراسات، واتساع جوانبها، وكشف ما لم يكن معروفا عن القرّائين فيها. ويعتبر هذا الكتاب جديدا في موضوعه ورائدا في حقل هذه الدراسات، إذ ليس هناك كتاب باللغة العربية -حسب ما نعلم- يدرس هذا الموضوع”.

واليهودية القرائية هي تيار في اليهودية وحركة وهم يسمون أيضا القرّائين، وعرف أتباع هذا التيار باسم العنانيين أو القرّائين، ويرتبط ظهور القرائية كحركة دينية بشخصية الحاخام “عنان بن داود” في العراق، في القرن الثامن الميلادي، الثاني الهجري، حيث الظهور الأول للقرّائين على مسرح التاريخ في العراق وتحديدا في مدينة بغداد أيام أبي جعفر المنصور.

رفضوا قدسية التلمود والتقاليد الأخرى التي تسمى "الشفوية" واعتمدوا في عقيدتهم وأحكامهم على التوراة

ويختلف اليهود القرّاؤون عن اليهود الربانيين (الذين يسميهم المؤلف التلموديين، لتقديسهم التلمود) في كثير من المسائل، ولكن أهمها أنهم رفضوا قدسية التلمود والتقاليد الأخرى التي تسمى “الشفوية”، لأنها منقولة بطريقة الرواية. واعتمدوا في عقيدتهم وأحكامهم على التوراة وحدها التي تسمى “المقرا” بالعبرية (ومنها أخذ اسمهم)، وكذلك رفضوا سلطة الحاخامين المطلقة.

يرتبط ظهور القرّائين كحركة بشخصية الحاخام عنان بن داود في بغداد كما ذكرنا سابقا، فوفقا للأثر -سواء لدى القرّائين أو لدى الربانيين- فإن القرائية لها أصل، وأن القرّائين هم فصيلة من الشعب اليهودي.

عنان وحد الطوائف الموجودة في الشعب اليهودي التي عارضت التوراة الشفوية وصلاحيات الجاؤنيم “Gaon” في بابل، خلال الفترة التي بدأوا فيها تقديس التلمود ككتاب مُلزم. وكانت فترة العصور الوسطى بمثابة مرحلة ازدهار بالنسبة للإنتاج القرائي، في العالم بوجه عام وفي أرض فلسطين بوجه خاص، في مجالات التفاسير وقواعد اللغة والأدب والفلسفة. ويبدو أن عددهم في أرض فلسطين كان أكبر من عدد اليهود الربانيين.

الحركة القرّائية ضعفت في أعقاب الحكم السوفياتي في شرق أوروبا

في هذه الفترة نشطت حركة “الحزانى” على خراب بيت المقدس القرائية، التي دعت للهجرة إلى أرض فلسطين وكان أعضاؤها يقومون بمراسم حداد على خراب الهيكل. وقام حاخامات قرّاؤون مثل دانيال بن موشيه القومسي، وسهل بن متصلياح هكوهين، وسلمون بن يروحام، ويعقوب القرقساني، بالعمل بشكل حثيث من أجل نشر القرائية في أنحاء فلسطين، ونجحوا في تحقيق ذلك، حيث انتشرت الطائفة القرائية في كل أنحاء فلسطين ومناطق أخرى غيرها.

في تلك العصور انشغل القرّاؤون بجدال عاصف مع الربانيين مثل الحاخام سعديا بن يوسف الفيومي الشهير بسعديا جاؤون Gaon (ت. 943م)، مؤلف كتاب “الأمانات والاعتقادات”، الذي يقال عنه أنه لولا نشاطاته لتمكنت القرائية من إزاحة اليهودية الربانية “التلمودية” تماما. وبسبب هذا الجدال العنيف، حدث انفصال بين القرّائين وبين المؤمنين بالتوراة الشفهية. مع احتلال القدس (أورشليم) على يد الصليبيين في عام 1099 م، قضي في هذا البلد على أكثر أتباعها وهاجرت بقية منهم إلى خارجها وأعادت تكوين نفسها مرة أخرى بعد فتح صلاح الدين الأيوبي لفلسطين في عام 1187.


مذابح صليبية


أدّى احتلال أرض فلسطين إلى انتقال مركز الثقل القرائي إلى مملكة الخزر والإمبراطورية البيزنطية، حيث قامت هناك طائفة قرائية حتى قبل المذابح الصليبية بالقدس. وفي بيزنطة واصل حكماء القرّائين العمل أمثال يعقوب بن راوبين، ويهودا بن الياهو هدسي، وأهرون بن يوسف الطبيب وأهرون بن الياهو الأخير مؤلف “شجرة الحياة” و”جنة عدن” وإلياهو بشيتسي مؤلف كتاب شرح الوصايا الشامل “عباءة الياهو”، الذي يُعدّ حاليا كتاب شرح الوصايا الأكثر انتشارا بين القرّائين. وبشيتسي يُعدّ أحد الشخصيات الهامة جدا في تاريخ القرّائين. فالثورة التشريعية التي قام بها، والتي أثارت خلافات شديدة وسط أبناء طائفته، تضمّنت تعديلات بعيدة المدى وقربت بشكل كبير آراءهم من آراء الربانيين.

يرتبط ظهور القرائية كحركة دينية بشخصية الحاخام "عنان بن داود" في العراق، في القرن الثامن الميلادي

تجدر الإشارة إلى أن المركز الذي كان موجودا في كوشتا (اسطنبول حاليا) ضعف في نهاية العصور الوسطى، وانتقل المركز إلى مناطق وبلدان أوروبية شرقية أخرى. وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر كان هناك ما يقرب من 30 طائفة قرائية في شرق أوروبا. وكان قرّاؤو أوروبا الشرقية يتحدثون بلغة خاصة بهم، اللغة الكرايميت “لغة كدر”. وابتداء من القرن التاسع عشر ظهرت في شرق أوروبا الحركة القومية القرّائية التي زعمت أن القرّائين ليس لهم جذور يهودية. ونتيجة لأنشطتها لم يتعرض عدد من الطوائف القرّائية للمحارق النازية. وفي أعقاب الحكم السوفييتي ضعفت الحركة القرّائية بشكل كبير في شرق أوروبا.

في المقابل شكلت الطائفة القرّائية المصرية مركزا قرائيا هاما على مرّ الأجيال حيث استمرّ لأكثر من ألف سنة. وبعد قيام دولة إسرائيل، وزيادة معاداة السامية في مصر، هاجر العديد من اليهود إلى إسرائيل ومنهم القرّاؤون، على الرغم من أنهم وجدوا صعوبة في أخذ ممتلكاتهم وثرواتهم معهم.

16