القرار 2118 وإعادة صياغة الأزمة السورية

السبت 2013/10/05

يصلح القرار 2118 كإعلان مبادئ لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية والقوانين والأسس الناظمة لها، أكثر من صلوحيته كأساس لحل الأزمة السورية، ذلك أن هذا القرار يشكل أساسا جيدا لإدارة الخلافات بين الأطراف الدولية، ويتضمن آلية لإدارة الصراعات المختلفة بينها، وتنظيم الخلافات وضبط قواعدها لئلا تشكل تهديدا للسلم الدولي والمصالح الدولية ومصالح الإقليم. ويتأسس هذا الأمر على فلسفة القرار التي تقوم على أساس نزع العناصر التي تشكل أساس الخلافات بين الأطراف وترك بقية العناصر تتفاعل ضمن أطر معينة بانتظار أن تفرز دينامية تفاعلاتها حلولا ممكنة.

لكن هذا القرار لا يؤسس لحل سياسي موعود في جنيف2، إذ من المحتمل أن تذهب الأطراف الراعية إلى طرح تصورها للحل، وليس قرارها للحل، على أن يترك تنفيذ هذا الأمر لتطورات الميدان، وما ستؤول إليه موازين القوى بين الطرفين، حتى التصورات ذاتها وفي حال الارتكاز عليها لتأسيس إعلان مبادئ الحوار، فإنها ستترك كالعادة رهينة للتفسيرات والتفسيرات المضادة كما جرى في أكثر من سابقة في أطوار الصراع السوري، بل أيضا انطلاقة لجولات عنف جديدة ستكون أكثر دموية وبشاعة من كل جولات العنف التي تواصلت.

في الواقع ينطوي نموذج الاتفاق والروح الذي تأسست عليه، على إحالة الحالة السورية برمتها إلى حقل جديد في واقع التعاطي الدولي يقوم على نزع كل ديناميات التوتر التي يمكن أن تنتقل إلى خارج الحيز السوري، وتؤثر على السياق العام الذي تجري بمقتضاه مصالح القوى ذات العلاقة، وترك المقادير السورية تجري حسب أعنتها ريثما ينتهي اللبس الكامن في المشهد السوري، ولاشك بأن الاتفاق الكيميائي يصلح قاعدة لهذا التفاهم ويؤطره، بحيث تصبح سوريا ومأساتها خارج دائرة العلاقات الأميركية- الروسية- الإيرانية.

والواقع أن العالم يلتفّ على الأزمة عبر محاولة إعادة صياغة أولوياتها، تارة بالحديث عن ضرورة توفير الضمانات للأقلية العلوية والأقليات الأخرى في أي تسوية مقبلة، على ما ورد في خطاب الرئيس أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو أولوية محاربة التطرف والإرهاب البازغ على سطح الثورة السورية والذي باتت تمثله القاعدة بشكل معلن وواضح، أو حتى إعادة تنظيم المعارضة بحيث تتضمن أطيافا جديدة، وهو أمر واظبت الدبلوماسية الروسية على طرحه بشكل مستمر، بقصد تهجين المعارضة بمزيد من القوى والأطراف القريبة في رؤيتها للحل من النظام السوري.

عمليا يبدو أن أطراف الاتفاق لم تفعل سوى أنها استثمرت الأزمة السورية لإيجاد حلول راهنة لأزمات بنيوية عميقة في هيكل قواها ومكانتها الداخلية والخارجية، حلول أقرب إلى منطق الصفقات منها إلى تسويات ثابتة ومنطقية، فالرئيس أوباما قد يكون أحوج إلى ذلك، بعد الإخفاقات التي مرت بها قيادته للولايات المتحدة. أما إيران التي أنهكها سعيها النووي فثمة مقدمات كثيرة تشي بقناعتها باستحالة إتمام هذا المشروع في ظل المعطيات الاقتصادية والمجتمعية المحبطة، وأنها ما لم تجر بعض التعديلات في طريقة اشتباكها مع العالم الخارجي، فإنها تسير إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي أو ما يشبه بداية ربيع ثوري يطيح بنظام الجمهورية الإسلامية.

غير أن الواقع يظهر أن مقاربة الأمور وفق هذه الطريقة لا يعدو كونه عملية بناء نماذج نظرية من النوع الذي يصعب التحقق من قدراتها التطبيقية، ذلك أن الأزمة السورية، وبعد حوالي ثلاثة أعوام من اندلاعها، استطاعت بناء شبكة من التفاعلات الداخلية والإقليمية بحيث بات يصعب الفكاك منها بالسهولة التي قد يتصورها البعض، وستبقى تؤثر على الأمن الإقليمي برمته طالما بقيت عناصرها الأساسية مفعّلة أو في طور الاشتغال. وبالتالي فإنه ستبقى لديها القدرة على إعادة خلط الأوراق ولخبطة كل الترتيبات وإفشال مختلف الصفقات ما لم يجر بناؤها على أساس حل الأزمة من جذرها، وهو إسقاط نظام بشار الأسد وإخراجه نهائيا من المشهد السوري، ولعل التغيرات التي شهدتها بنية المعارضة السورية المسلحة، تشكل الرد الأكثر وضوحا على ممكنات الحالة السورية وقدرتها على ضرب كل محاولات تهميشها.

سوريا مرّت إلى آخر الصفقات التي انتهت بضمان أمن إسرائيل، الصفقات التالية ستكون بين السوريين أنفسهم، وهي في هذه الحالة قد تكون على شكل هدن مؤقتة، أو على شكل تبادل لأراض أو تفاهمات على الحدود، العالم أنجز صفقته الأخيرة ومضى.


كاتب سوري

9