القراصنة أحزاب تغزو العالم

السبت 2016/12/24
حضور أحزاب القراصنة تنامى في الحياة السياسية الأوروبية

إسطنبول - “سأسألك سؤالاً وحيداً. ألم تقم ولو مرة واحدة في حياتك بقرصنة فيلم ومشاهدته؟ إذا أجبتني بالنفي، لن أصدقك، وإذا أجبتني بالإيجاب، سأحييك، وأرحب بك: أهلا بك يا رفيق”.

أنت الآن تستغرب ما أقول، ولكن إذ أخبرتك أنني أحتج على استغلال الشركات لمبادئ حقوق الملكية الفكرية، وفرضها على المستهلكين أسعاراً باهظة، فهل ستساندني؟ و”أننا إذا وقفنا معاً سنجبرهم على تعديل الأسعار، وبما يناسب أوضاع الجميع، وسنمنع الأجهزة الأمنية من مراقبة بريدنا الإلكتروني ومن توجيهنا بحسب سياساتهم الخفية، فهل ستنضم لي؟”.

بالتأكيد لا يمكن اتهام صاحب الكلام السابق، بأنه يقوم بالدعاية لتيار سياسي، فكل ما يتحدث عنه وهو يدعو من يخاطبه إلى المشاركة، إنما هو تفاصيل حياتية بات كل مستخدم للإنترنت يتعرض لها في مسار يومياته، وهي قضايا لا ينحصر وجودها في بلد محدد على مستوى العالم، بل إنها عابرة للبلدان والقارات، وهي أيضاً تشكل مادة للنقاش والجدال على عدة مستويات، إن كان في المجتمعات المحلية، أو في المؤسسات الدولية.

في الأولى نرى كيف بات السعي نحو حريات أكبر على صعيد تبادل المعلومات جزءاً من أوليات التفكير السياسي، وفي الثانية لا بد من التركيز على الجهد الدولي الذي بذلته مؤسسات أمنية دولية في الأعوام السابقة ضد قراصنة “التورنت” الذين قاموا بإتاحة أكبر كمية من الملفات الإبداعية والتقنية للجمهور، دون أن يكون مضطراً لدفع أثمانها لأصحابها. وقبل هذا وذاك هل يمكن تجاوز وثائق وكيليكس، ومعلومات إدوارد سنودن، ووثائق بنما، في سياق حديثنا عما يتمّ ويحدث في الخفاء، بعيداً عن عيون الجمهور؟

أحزاب القراصنة

إذا كنت مهتماً بكل ما سبق، وتشعر بأن عليك أن تفعل شيئاً في سياقه، فإن الطريق مفتوح أمامك، لأن تكون عضواً في حزب القراصنة.

اعتاد الناس على التعاطي مع القراصنة تاريخياً على أنهم عصابة سلب ونهب وسفك دماء، ولهذا سيبدو غريباً عليهم أن تسمي مجموعة من الناشطين نفسها بحزب القراصنة.

لكن هذا بات حقيقياً وقد بدأ العالم يشهد منذ العام 2006 تداولا للاسم الذي ظهر فجأة في السويد بتاريخ الأول من يناير. حيث قام الناشط ريكارد فالكفينغه بانشاء الحزب الذي انطلق ضمن موجة التعاطف والدعم لموقع “خليج القراصنة” الذي تأسس في العام 2003 بإدارة غوت فرايد سفارثولم وهانس فريدريك لينارت نايه وبيتر سندي ومازال حتى اللحظة يتربع على قائمة مواقع التورنت في العالم، وقد تحول من مجرد موقع لقرصنة الملفات إلى ظاهرة عالمية.

وفي تفاصيل الحكاية التي ستصبح ملهمة لجميع أحزاب القراصنة منذ تاريخ تأسيس أول أحزابها وحتى الآن، أنه في العام 2006 قامت الشرطة السويدية بإغلاق خوادم الموقع، الأمر الذي أدى إلى إقفاله لمدة ثلاثة أيام، لكنه سرعان ما عاد إلى نشاطه، لتتنامى جماهيريته وسط المعارك القانونية حول الأعمال التي يقوم بها.

في العام 2014 وبعد أن تم إلقاء القبض على مؤسسي الحزب جميعهم، وقامت السلطات السويدية بإغلاق مقراته كلها ومصادرة كافة الأجهزة والخوادم الخاصة به، تطوع الكثيرون حول العالم للنضال من أجل بقاء الموقع، بعد أن قام بإجراء عدة نسخ احتياطية في أماكن مختلفة، فتم إنشاء العشرات من المواقع التي حملت نفس الاسم ووضعت نصب عينيها القيام بنشر المحتوى غير القانوني، وقد سبق هذا كله إطلاق فيلم وثائقي في العام 2013 حمل عنوان “خليج القراصنة بعيداً عن لوحة المفاتيح” من إخراج سايمون كلوز والفيلم مبني على قصة حياة مؤسسي الموقع.

الحزب السويدي يشتقّ اسمه اللافت من منظمة “وكالة القراصنة”، المعارضة لمبدأ الملكية الفكرية، والتي كانت قد أنشئت بدورها على شاكلة المنظمة الدانماركية “مجموعة القراصنة” التي اتخذت هذه التسمية، لأنها تشكلت لتعارض مجموعة الضغط السياسي المسماة “أنتي بايرت غروبن” الهادفة إلى مكافحة القرصنة.

"خليج القراصنة" يتربع على قائمة مواقع التورنت في العالم. وهو الموقع الذي تأسس في العام 2003 بإدارة غوت فرايد سفارثولم وهانس فريدريك لينارت نايه وبيتر سندي. وقد تحول من مجرد موقع لقرصنة الملفات إلى ظاهرة عالمية

فلسفة القراصنة

الموجة التي أطلقها الناشطون السويديون سرعان ما عبرت حدود بلادهم، فاستلهمت مجموعات أخرى الفكرة ذاتها وبدأت بإطلاق الأحزاب المشابهة مثل حزب القراصنة النمساوي الذي تأسس في يوليو 2006، وحزب القراصنة الألماني الذي تأسس في سبتمبر 2006، ولم يمض العام حتى صارت هذه الأحزاب حاضرة في العشرات من البلدان. وحتى اللحظة تنتشر ظاهرة أحزاب القراصنة عبر العالم في قرابة سبعين بلداً، حيث سجل حضورها في أغلب الدول التي تنتعش فيها صناعة التقنيات، بينما سجل ظهورها في المنطقة العربية في بلدين فقط هما تونس والمغرب.

تدعم أحزاب القراصنة بحسب بياناتها السياسية “الحقوق المدنية والديمقراطية المباشرة وإصلاح قوانين حقوق النشر وبراءات الاختراع وحرية تبادل المعارف (المحتوى المفتوح) وخصوصية المعلومات الشخصية والشفافية وحرية المعلومات والتعليم المجاني والرعاية الصحية الشاملة”. كما تطالب هذه الأحزاب بـ”حياد الشبكات والإتاحة الشاملة للإنترنت بلا حصر أو حجب بصفتها شروطاً أساسية لتحقيق ما سبق”.

الأهداف العامة التي تؤكد عليها هذه الأحزاب والتي تنتمي إلى القواعد الدستورية الأساسية السائدة في الدول المتقدمة، لم يتم تسجيلها في جدول أعمال القراصنة عبثاً، بل جرى ذلك من أجل مقارعة الانتهاكات التي كانت تتعرض لها حقوق المواطنين جراء قيام الحكومات عبر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية باقتحام حيواتهم، وضمن هذا السياق وجدت هذه الأحزاب نفسها على أرضية الانتشار الواسع بين المتضررين.

القراصنة يفوزون

ولهذا كان من الضروري أن يتسع مجال نشاط تلك الأحزاب السياسي، ليصبح مؤهلاً لاستيعاب أدوات الفعل الاحتجاجي، ولينتقل من العمل على شبكة الإنترنت، إلى الشارع، ومن ثم إلى الانتخابات ومن بعدها البرلمانات، ولعل مراجعة جدول الأهداف التي تعمل عليها هذه الأحزاب يوضح كيف أنها تقصدت منذ البداية وحتى الآن التعاطي مع مسألة السياسة بوصفها شأنا عاما، أكثر منها شأنا نخبويا، يقوم أصحاب رؤوس الأموال باستثماره من أجل مصالحهم، وعليه فإنه من الضروري توسيع مساحة مشاركة الجمهور بالفعل السياسي، والتركيز على دفع الفئات المهمشة في المجتمع إلى الحصول على مقاعدها في الركب، وتنبيه هذه الفئات وغيرها إلى عدم الالتفات إلى القوى السياسية التي تهمل جمهور الناخبين ولا تلتفت إليهم إلا في مواعيد السباق الانتخابي.

ثمار نشاط القراصنة عبر أحزابهم، التي قوبلت بالسخرية من السياسيين التقليديين حين ظهورها، لم تتأخر، إذ حصل حزب القراصنة السويدي على 7.1 بالمئة من الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي في سنة 2009، وحصلت على مقعد فيه، في أول نجاح كبير لحزب قراصنة في انتخابات. وقد تنامى نشاطه حتى صار هو القوة السياسية الثالثة في السويد.

"خليج القراصنة" يتربع على قائمة مواقع التورنت في العالم. وهو الموقع الذي تأسس في العام 2003 بإدارة غوت فرايد سفارثولم وهانس فريدريك لينارت نايه وبيتر سندي. وقد تحول من مجرد موقع لقرصنة الملفات إلى ظاهرة عالمية

وحصل حزب القراصنة الألماني على 8.9 بالمئة في الانتخابات المحلية في 2011 في برلين. ثم عاد ليحصل في مايو 2012 على 8 بالمئة من الأصوات في برلمان أكبر الولايات الشمالية.

وقد تنامى في السنوات السابقة حضور أحزاب القراصنة في الحياة السياسية الأوروبية، إن كان عبر تقدم ممثليها نحو البرلمانات في الانتخابات، أو عبر مشاركتهم في الأنشطة التي تدعمها إعلامياً، لا سيما وأن أغلب الفاعلين فيها هم من فئة الشباب مواليد الثمانينات من القرن الماضي، أي تلك الشريحة التي تتقن العمل على الإنترنت وترتبط حياتها بتفاصيله.

ولكن التجربة السياسية التي صدمت العالم كله، جاءت هذا العام من أيسلندا، ففي أكتوبر الماضي، حلّ حزب القراصنة ثالثاً في الانتخابات التشريعية، بعد فوزه بعشرة مقاعد من أصل 63 مقعدا، ليزيد حصته من النواب بأكثر من ثلاثة أضعاف. ولكن المفاجأة جاءت من خلال قيام رئيس البلاد بتكليف برغيتا يونسدوتير رئيسة الحزب بتشكيل الحكومة الجديدة.

وفي مطالعة أجراها موقع “بي بي سي فيوتشر” لأسباب فوز حزب القراصنة الأيسلنديين، تحدثت رئيسة الحزب عن نشاطه الذي جعله يحوز على هذه النسبة من الأصوات فقالت إن “الكثير من المهمشين، ممن لا يكترث بهم أحد، ومن يشعرون بأن النظام القائم لا يلبي احتياجاتهم، بدأوا بالفعل في التواصل والعمل معنا”، مضيفة “إننا نأخذ السلطة من أصحاب النفوذ ونمنحها للشعب، ولنصبح بذلك مثل روبن هود.. الذي يعيد توزيع السلطة والقوة هذه المرة، وليس الأموال”.

على منوال الأحزاب اليسارية والاشتراكية، تنادت أحزاب القراصنة للاجتماع في منتصف أبريل من العام 2010، حيث شكلت في العاصمة البلجيكية بروكسل أمميّتها، التي حددت نظامها الأساسي وأهدافه وبشكل أساسي في “المساعدة على تأسيس أحزاب القراصنة في كل أنحاء العالم ودعمها وتعزيزها والمحافظة على التواصل والتعاون بينها، وكذلك زيادة الوعي حول أحزاب القراصنة وانتشار حركة القراصنة وتوحيدها من خلال التنسيق وتبادل المعلومات والمساعدة على تأسيس أحزاب جديدة. كما تسعى الأممية والأحزاب المنتمية إليها إلى إصلاح القوانين المتعلقة بالملكية الفكرية وبراءات الاختراع”.

ومع اتساع مشاركة الأحزاب في الأممية (69 حزبا حول العالم)، بدأت الأممية تعاني من مشاكل تتعلق بآليات عملها، ودورها في سياق عمل الأحزاب الوطنية، ما لبثت أن تحولت إلى احتجاجات معلنة في العام 2015 حيث قدمت أحزاب القراصنة في أستراليا وبريطانيا وأيسلندا والسويد استقالتها من المنظمة، فيما علق حزب القراصنة البلجيكي عضويته.

قراصنة تونس والمغرب

شكلت التجربتان التونسية والمغربية حالة رائدة على صعيد عمل أحزاب القراصنة في المنطقة العربية، فقد تشكل حزب القراصنة التونسي في 2010 ليكون الأول في القارة الأفريقية. ويهدف حزب القراصنة بحسب صفحته على شبكة الإنترنت “إلى دعم الدّيمقراطيّة المباشرة ومبدأ الحوكمة المفتوحة لتفعيل مشاركة المواطن في اتّخاذ القرارات والاعتماد على التكنولوجيات الرقمية.

حزب القراصنة التّونسي ينتمي إلى تيّار عالميّ يتشارك في مبادئ من أهمها العمل من أجل تكريس الدّيمقراطيّة المباشرة، الحوكمة المفتوحة، الدّفاع عن الحريّات عموماً وكلّ ما يهمّ تداول المعلومات بكلّ شفافيّة خصوصاً

وينتمي حزب القراصنة التّونسي إلى تيّار عالميّ يتشارك في مبادئ من أهمها “العمل من أجل تكريس الدّيمقراطيّة المباشرة، الحوكمة المفتوحة، الدّفاع عن الحريّات عموماً وكلّ ما يهمّ تداول المعلومات بكلّ شفافيّة خصوصاً”. نشطَ الحزب في الثورة التونسية، حيث اعتقل عدد من أعضائه لمشاركتهم في الاحتجاجات. وقد كلف أحد أعضائه وهو سليم عمامو ليشغل منصب الكاتب العام لوزارة الشباب والرياضة في الحكومة التونسية المؤقتة، ولكنه سرعان ما استقال من منصبه بعد أربعة شهور احتجاجاً على قيام الحكومة بحجب بعض المواقع الإلكترونية.

أما حزب القراصنة المغربي، فقد انطلق في العام 2011، معلناً عن نفسه حزباً مغربياً من خلال بيان عبر فيه أعضاؤه عن أنفسهم بالقول “نحن مواطنون بسطاء قدرنا أننا ولدنا في هذا العالم المتناقض، حيث يوجد الخير مقابل الشر والشر مقابل الخير، يوجد الهدم والبناء ثم الإصلاح والتخريب، ونحن قدرنا أننا نؤمن بأن الإنسان خلق ليصنع العدالة والمساواة والتي تمثل الطريق نحو الحرية والعيش الكريم والاستفادة من كل الثروات الثقافية والعلمية والفكرية والمعلوماتية وضمان الحق في امتلاك التكنولوجيا وكل وسائل التقدم والتطور والازدهار.

ولكوننا شبابا ملمّا بالإنترنت وبوسائل التواصل والإعلام الحديث ومحبون للثقافة والفكر، فإننا نعي جيدا حجم القوة التي باتت تشكلها وسائل الإعلام وتكنولوجيا العصر الرقمي خاصة تلك المرتبطة ارتباطاً وطيداً بالشبكة الرقمية العالمية والمكانة الريادية التي باتت تحتلها في حياة المجتمعات كإحدى أهم أدوات التقدم باعتبارها شكلاً ثورياً جذرياً غيّر حياة المجتمعات”.

وبحسب البيان فإن الحزب يؤمن “بحق جميع شعوب الأرض في الاستفادة من المعلومات والتقنيات الحديثة والثقافة”، فإن حزب القراصنة-فرع المغرب يسعى بكل ما يمتلكه من إيمان إلى الدفاع عن حق المواطن في الاستفادة من الإنترنت بسعر عادل باعتبارها واجهة مهمة في الحياة اليومية للمواطن سواء في جانبها الاجتماعي أو السياسي وحتى الاقتصادي”. كما يسعى الحزب إلى “تعزيز حق الفرد في الخصوصية وحماية معلوماته على الإنترنت من أيّ استغلال لمنظمات أو أجهزة حكومية”، كما يدعو الحزب إلى “تمتيع الفرد بحقه في استعمال الإنترنت كوسيلة للتدوين والتعبير عن المشاعر والآراء السياسية والفكرية ونشر المعلومات والكتابة والإبداع وحمايته قانونياً من أيّ متابعة جائرة أو مساءلة غير قانونية وجعل القضاء المستقل هو المسؤول عن تصرفات الأفراد على شبكة الإنترنت مع توفير قضاء تقني متخصص في الجنايات والجرائم الرقمية، وكذلك معاملة مستعمل الإنترنت كمواطن حقيقي على الإنترنت له حقوق وعليه واجبات”.

13