"القراموص" قرية مصرية تحيي صناعة ورق البردي الفرعونية

ذاع صيت “القراموص” كأول قرية تقع في محافظة الشرقية، شمال القاهرة، تخصص جزءا كبيرا من أراضيها لزراعة نبات البردي الشهير، واقتطع الأهالي حجرات من منازلهم لتصنيع ورقه الأصلي الذي لا يختلف عما كان يستخدمه القدماء في الكتابة منذ الآلاف من السنين.
الاثنين 2018/02/26
واحدة من ملكات البردي

الشرقية (مصر) – لم يمثل ورق البردي مجرد تراث فرعوني أصيل فقط، بل يعدّ رمزا للحضارة المصرية القديمة، حمل على عاتقه تاريخ تلك الحضارة، ناقلا علوما للبشرية بني عليها عصر جديد للإنسان.

اندثرت الأوراق الصفراء ذات الملمس الخشن، لكن تحولت صناعتها إلى منتج سياحي من الدرجة الأولى وجمالي في الدرجة التي تليها.

واحتكرت القرية المصرية “طوخ القراموص” بمحافظة الشرقية (شمال القاهرة) منذ سبعينات القرن الماضي حرفة امتهنها الفراعنة، زراعة وصناعة.

على مشارف القرية، بدت الأراضي حافلة بمساحات كبيرة خضراء لنبات البردي يتمايل يمينا ويسارا ساعده طول ساقه الذي يصل إلى ثلاثة أمتار، وعلى رأس الحقول يقف الأطفال لوضع أغصان النبات بعد حصادها على ظهور الدواب. في الصباح الباكر يذهب الرجال لجلب سيقان أشجار البردي، وتقوم النساء بالعمل على إنهاء شؤونهن المنزلية، ثم يصطففن بطول شوارع القرية أو في حجرات ملحقة بالمنازل مخصصة لتصنيع ساق البردي.

يفخر الأهالي بأنهم “ملوك البردي” ، فهي مهنة عائلية لم تفرق بين سكانها، من ناحية العمر والجنس والتعليم.

ويرجع الأهالي الفضل في ذلك إلي ابن القرية الراحل أنس مصطفى سمك أستاذ الفنون الجميلة، الذي جلب قبل واحد وأربعين عاما شتلات من نبات البردي وزرعها أمام منزله بالقرية‏، وعند حصادها وجد من يشتريها منه‏، وفوجئ بأن الطلب يتزايد، وقرر التوسع في زراعة المحصول‏، وكان دولار واحد‏ يكفي لشراء شتلات لزراعة‏ خمسة أفدنة‏.

ورق البردي لا يقتصر على عمل اللوحات الفرعونية، بل يُصنع منه كروت الأفراح والمناسبات

أنشأ سمك بعد ذلك مصنعا صغيرا‏، وجمع نحو 200 من أبناء القرية وعلمهم كيفية زراعة وتصنيع أوراق البردي مُعلنا تدشين حلمه بتحويل القرية إلى مركز لصناعة وإنتاج البردي، وقام بإحضار فنانين تشكيليين لتدريب الأهالي على الرسومات وتركيب الألوان وتحويل الورق إلى طراز فني.

ثم قام كل منهم بعمل مشروع خاص به وعلّم أفراد أسرته، وعملوا في تنافس، ما أعطى نجاحا لعملهم، وكانت النتيجة واضحة على جوانب حياتهم، وساعدهم النبات على الترابط الأسري ونهض بالقرية اقتصاديا واجتماعيا.

تبلغ المساحة المزروعة بالنبات نحو 400 فدان من إجمالي 500 فدان هي مساحة وزمام القرية التي يقطنها نحو 25 ألف نسمة، واختفت فيها البطالة، وباتت قبلة للراغبين في العمل من أبناء القرى المجاورة وغزت منتجات أوراق البردي المعارض السياحية في محافظات مختلفة.

شهدت تلك الصناعة تدهورا تدريجيا بعد ثورة 25 يناير 2011 وما أعقبها من ركود اقتصادي وأحداث أمنية أثرت على توافد السياح على القرية. أكد عاطف الجزار، فلاح في الخمسين من عمره، أن الحرفة أصابتها وعكة تعافت منها مؤخرا، وهو يعمل في زراعة وتصنيع البردي منذ 1975، لافتا إلى أن حالة الكساد التي مر بها سكان القرية كانت مؤقتة ولم تمنعهم من زراعة نبات البردي، فهو مصدر رزقهم الوحيد ويدينون له بالفضل بعد أن فتح بيوتهم وعلم أولادهم، وجلب ربحا وفيرا لهم يكفيهم لسنوات.

وأشار لـ”العرب” إلى أن نبات البردي يتفرد عن النباتات الأخرى بأنه ليس له موعد محدد لزراعته، بل يزرع طوال العام على هيئة شتلات يتم تسويتها وتغريقها بالماء، وهو سريع النمو وتصل فترة نضجه بين أربعة وخمسة أشهر، بعدها تتم عملية أول حصاد له، وإثر ذلك كل ثلاثة شهور ويزداد إنتاجه في الصيف، لذلك يرتفع سعره في الشتاء نظرا لقلته.

وأضاف أنه يُزرع كل عشر سنوات مرة واحدة وينمو خلالها المحصول ويحصد مرات عديدة، وتُنزع السيقان الكبيرة التي نضجت بواسطة قطعها بالسكين أو المنشار الزراعي وليس بجذبها، لضمان خروج شتلة أخرى، ثم يتم ربط كل مجموعة على حدة في حزم كي يسهل نقلها على الدواب إلى الورش الملحقة بالمنازل، ويُنتج من الفدان الواحد 15 ألف ورقة بردي.

ولفت فلاحون كثيرون إلى أن كل جزء من النبات له مقابل مادي، فالجذور تباع لشركات الأدوية، وتدخل في صناعة عقاقير مختلفة كما تباع زهوره (شواشي) التي تزين أعلى الساق لمحال الزهور في القاهرة أو تستخدم كغذاء وعلف لدوابهم، أما قشور السيقان فتستخدم في إشعال الأفران الريفية القديمة “الجُرن”، وتقطع العيدان بعد إزالة القشرة الخضراء عنها إلى مقاسات مختلفة وفقا لاحتياجات العملاء. صباح، امرأة في أواخر الأربعينات من عمرها، نضارة بشرتها وصفاء وجهها ونعومة يديها تدل على أن عملها غير مجهد، جلست على مصطبة حجرية بالقرب من باب منزلها الخشبي، ثبتت طرف خيط من البلاستيك القوي والحاد في جدار المنزل والطرف الآخر في يد وأمسكت بالأخرى عود البردي لتقسمه إلى شرائح دقيقة في مرحلة أطلق عليها “التشريح”.

قالت صباح لـ”العرب” إن الشرائح تمر بتلك المرحلة وتصل إلى درجة من المرونة واللين، ويتم وضعها في أحواض ضخمة بها مياه مضاف إليها البوتاس (مادة كيميائية) في درجة حرارة معينة.

النبات به نسبة مرتفعة من الحديد ويُمكن أن يتغير لونه بفعل عملية الأكسدة التي تحدث عند تعرضه للهواء، وتوضع الشرائح لسبع ساعات في الكلور كمادة كيميائية، ويتم تنظيفها ومنحها لونا أبيض أو أصفر داكنا يُعطي إيحاء بالقدم وأقرب إلى لون البردي الطبيعي وهو ما يسمى بـ “الكلورة”.

الرسم يحول نبتة البردي إلى لوحة فنية
الرسم يحول نبتة البردي إلى لوحة فنية

تلك العملية تتم بحرص شديد ومعيار محدد ودون تسرع لأن زيادة البوتاس أو الكلور تفسد البردي بعد فترة، وتتسرب المواد الكيميائية إلى داخل ألياف النبات وتتلفها.

داخل غرفة ملحقة بأحد المنازل، جلست مجموعة من الفتيات والسيدات على وسائد قطنية، وضعن أمامهن طبقين مستديرين من البلاستيك يمينا ويسارا، مستخدمات حوافهما العالية لـ”رص” الشرائح المخمرة من نبات البردي.

أشارت مشيرة محمد (بكالوريوس تجارة) إلى أن “الكلورة” تليها مرحلة الرص وتتطلب دقة وحرفية شديدتين لتنسيق الشرائح الطولية والعرضية جنبا إلى جنب، لتغطى أحرف القطع بشكل متعامد وبينهما قطع قماش وكرتون تأخذ مقاس الورقة لتمتص العصارة الزائدة من الشرائح ولتمنع التصاقهما.

تصل الورقة بعد ذلك إلى المرحلة الأخيرة وتوضع داخل مكابس حديدية، ويتم الضغط على كل جزء فيها بهدوء كي يجف الماء ويفرغ الهواء كليا من شرائح البردي وتحدث عملية التماسك بينها لتخرج في صورتها النهائية دون تقوّس.

وتقول نورا عزازي، فتاة في الثامنة عشرة ومعها شهادة متوسطة، إنها فخورة بانتمائها إلى بيئة حاضنة للحضارة الفرعونية، وبدأت في العمل منذ عشر سنوات في مجال تصنيع البردي. تبدو على ملامحها السعادة والرضا بما تقوم به من عمل قائلة “نحافظ على التاريخ ونستعيد أمجاد الماضي، ويكفي أننا نعمل من منازلنا ونستطيع جني دخل يوفر لنا حياة كريمة”.

تبدأ نورا عملها في الثامنة صباحا وتنتج من 30 إلى 50 ورقة يوميا، وتأخذ جنيهين عن الورقة الواحدة (20 سنتا)، وتتعامل لفترة طويلة مع الماء، وهو ما كان سببا في أن أغلب مراحل التصنيع تقوم بها فتيات، لأن ذلك يتطلب الجلوس كثيرا الأمر الذي يرفضه الرجال.

أوضحت نورا أن طلاب وخريجي كليات الفنون الجميلة والتربية الفنية ومن يمتلكون موهبة الرسم يأتون إلى منزل والدها ويحصلون على أوراق البردي ويقومون بالرسم عليها وعندما ينتهون يحضرونها ويتقاضون أجرا يتعدى الدولار ونصف الدولار عن الورقة الواحدة حسب حجم الورقة ونوعية الرسوم أو الكتابة.

وأكدت أن استخدامات البردي لا تقتصر على عمل اللوحات الفرعونية فقط، لكن يُصنع منه كروت الأفراح والمناسبات المختلفة، وتستخدمه المدارس والجامعات في شهادات التقدير.

في جانب آخر للقرية، اجتمع فنانون بأحد المراسم التي بنيت خصيصا من أجل تحويل أوراق البردي إلى لوحات فنية جذابة، ورغم أن المراسم لا تختلف عن بيوت القرية في بدائيتها، لكن فاحت منه رائحة الألوان التي تناثر بعضها على جدران وأرضية المكان.

يقول محمود خلف، أحد شباب المرسم، في العقد الثالث من عمره، “تأتي أوراق البردي إلى المرسم بعد أن تصبح صالحة للكتابة والرسم والطباعة”.

تعتمد كل المراسم الموجودة في القرية على طريقتين في رسم الورقة، رسومات يدوية وطباعة، والفرق بينهما كبير في المجهود والقيمة المادية، فالأولى أعلى سعرا من الطباعة، نظرا للوقت والمجهود وقلة الرسامين.

وأشار خلف إلى أن التصميمات العصرية تستخدم ألوانا مختلفة لجذب السائح الذي يفضل اللونين الذهبي والأسود، في حين أن الفراعنة كانوا يستخدمون اللون الذهبي ويفضلون الألوان الخضراء والزرقاء والحمراء، وأحيانا تنتاب أحمد الحيرة فإذا كان يريد جذب السائح فعليه أن يعمل بألوان ليست أصلية ودخيلة على البرديات وهو ما يرفضه في الكثير من الأحيان.

أغلبية نماذج الطباعة مأخوذة من الرسومات الفرعونية الموجودة في المعابد وعلى أوراق البردي القديمة، فهناك 62 منظرا فرعونيا معتمدة لدى الرسامين، وأكثرهم إقبالا اللوحات الجدارية الفرعونية المشهورة.

وتتراوح تكلفة المنتج النهائي بين 25 جنيها وحتى 600 جنيه (دولار ونصف الدولار وحتى 33 دولارا)، وتتحكم في سعره جودة الورقة ومقاسها.

بعض أصحاب المتاجر لا يعرفون قيمة ورقة البردي ويهينوها بتعاملهم معها بشكل تجاري، ويبخسون سعرها لبيع المزيد منها وتحقيق مكاسب كبيرة، وهناك من يضعها بجوار منتجات لا توائم قيمتها التراثية مثل الحقائب والأحذية.

تصوير/محمـد حسنين

20