القرصنة المالية الإسرائيلية والحال الفلسطينية

إسرائيل لن تقول لرئيس السلطة إن حكومته لم تكن صاحبة براءة اختراع منطق القطع والاقتطاع، وإنه هو الذي ابتدع للمرة الأولى في تاريخ الفلسطينيين أسلوب قطع الرواتب وتجويع الأسر ورمي الأطفال والنساء في حال العوز والفاقة.
الأربعاء 2019/02/20
براءة اختراع منطق القطع والاقتطاع

في مطلع هذا الأسبوع أعلنت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، عن اقتطاع ما قيمته 139 مليون دولار سنوياً، من الأموال الفلسطينية التي تجبيها الحكومة الإسرائيلية كجمارك، بأسلوب المقاصة على السلع الواردة إلى أراضي السلطة الفلسطينية. وجاءت ردود أفعال الناطقين باسم السلطة مستنكرة لهذا الاقتطاع الذي يعادل القرصنة واستغلال الاحتلال نفوذه للاستحواذ على مال فلسطيني عنوة. ولوّحت الردود باحتمال أن تجتمع ما تسمى “اللجنة العليا لمتابعة توصيات المجلس المركزي” لكي تتخذ قرارات قال صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إنها ستكون “حاسمة ومصيرية”.

وأغلب الظن أن إسرائيل لا تنتظر تصريحا من عريقات لكي تعلم إلى أين تتجه الوجهة وما الذي ستتمخض عنه اجتماعات أي لجنة، لأنها، ببساطة، ترصد اتجاهات حديث وقناعات جماعة السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة بنسبة 100 بالمئة وعلى كل صعيد، وتعرف رأي كل شخص، ولولا ذلك لما سمحت أصلاً باجتماعات “المجلس المركزي الفلسطيني” الذي هو الإطار الوسيط بين برلمان منظمة التحرير ولجنتها التنفيذية. لذا فإن إسرائيل تدرك أن الصيغة التي تحدّث بها عريقات وتلمّح إلى فكرة حل السلطة كجواب على قرصنتها، المقصود بها حث الوسطاء في الإقليم والعالم على التدخل “لإنقاذ الوضع” وإبقاء السلطة.

ففي المنظور الإسرائيلي يظل الهدف من خطوة الاقتطاع، مناورة تجلب الوسطاء، ثم يكون التوصل من خلالهم إلى حل وسط، لتسجيل ما يشبه التراجعات الإسرائيلية التي تساعد في التغطية على تطرف حكومة نتنياهو في المسائل الأساسية.

في هذا السياق سيكون الحل الوسط، بالنسبة للفلسطينيين أن يُصار إلى تسديد مخصصات ذوي الشهداء والأسرى، من خلال عناوين أخرى، إغاثية أو إنسانية، شرط أن تطرح السلطة عن نفسها وتخصم مهامها، واحدة من أهم مسؤوليات منظمة التحرير ذات البُعد الاجتماعي الموصول بمسؤوليتها السياسية، وهي المسؤولية التاريخية عن رعاية أسر الشهداء والأسرى. وقبل التوصل إلى هكذا تدبير، سيكون من المستبعد تماماً أن يرفض رئيس السلطة الفلسطينية تسلم أموال المقاصة منقوصة فلساً واحداً مثلما قال ووعد. فهو يعرف طبائع معاونيه، ويدرك أنهم ليسوا في الموضع الذي يساعده على أن يتخذ هكذا موقفا من موقع استراحته الشخصية من الناحية المالية، لذا فإن صائب عريقات استبق الأمر، عندما أكد على عزم السلطة على الاستمرار في صرف مخصصات أسر الشهداء والجرحى، وقال بتلقائية وبالحرف “سنقطع عن أنفسنا ونعطيهم”. وهذا معناه إما إن التدفق المالي على مجموعة الموالين والمحظيين، سيظل جارياً في حال الاقتطاع الإسرائيلي، وعندئذ ربما يضطر عريقات لأن يقتطع منه، أي عن نفسه، ويعطي الأسر، أو إن أثرياء السلطة سيتولون الصرف من جيوبهم، وهذا هو المستبعد.

في سياق السجال بين قيادة السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو حول مخصصات الأسرى وذوي الشهداء؛ لن يُفضي كل طرف بما عنده لإضعاف حجج الطرف الآخر. فإسرائيل لن تقول لرئيس السلطة إن حكومته لم تكن صاحبة براءة اختراع منطق القطع والاقتطاع، وإنه هو الذي ابتدع أسلوب قطع الرواتب وتجويع الأسر ورمي الأطفال والنساء في حال العوز والفاقة. وحتى الصحافة الإسرائيلية لن تكتب بالتفصيل عن ظاهرة قطع الرواتب وآثارها الاجتماعية الكارثية ولا عن أماكن سكن الفئات الاجتماعية المتضررة، ولن تنوّه إلى أنّ ما تبقى من مخصصات الأسر الفلسطينية التي ضحت بأبنائها، ينحصر في مخصصات بشر بعيدين مكانياً لا يستطيعون الوصول إلى ميدان المنارة في رام الله أو إلى “المقاطعة” للاحتجاج وإطلاق النداءات بوجوب رحيل عباس، مثلما فعل المحتجون على قانون الضمان الاجتماعي المجحف.

لا يختلف اثنان ممن وقعت في رؤوسهم فأس قطع رواتب الأسر في غزة أو عايشوها، على أن التعاطف في أوساط الفلسطينيين مع عباس ضعيف إن لم يكن معدوماً، بل إن البعض الساذج رأى أن التدبير الإسرائيلي والقرصنة الأخيرة، إنما جاءت استجابة لدعوات عجوز فقيرة وجدت نفسها وأحفادها بلا مصدر رزق، بفعل قرار إقصائي من عباس. فليست كل عناصر البشر قادرة على أن تنظر للمسائل نظرة شمولية وأن تميز بين فاعل وفاعل. فما يفعله الاحتلال اليوم، مُدان وفيه رائحة المستوطنين الأشرار، الذين استمرأوا الانقضاض على الحق الفلسطيني في الأرض والزرع والأمن والحياة.

أما الفاعل الفلسطيني، فأمره يختلف. فهذا يستغل نفوذه والقرار المالي الذي استحوذ عليه فيُسيء استغلال الأمانة، بعد أن تحقق له، بخلاف القانون والوثيقة الدستورية، التفرد بالسيطرة على المال الاجتماعي وتصفية حساباته مع كل صاحب نقد أو موقف أو رأي، أو حتى مع كل شهيد أو أسير، كان قبل عشرين أو ثلاثين سنة، يعمل وفق منهج مغاير. وللرد على مثل هذا المتعدي على حقوق الناس سياق آخر، يختلف عن سياق الرد على الاحتلال.

من يتأمل المشهد الفلسطيني يرى أن الخطوط كلها باتت مضروبة أو معطلة، ولا طريق سالكاً: المصالحة لإنهاء الانقسام، الوحدة لمواجهة التحديات، الإصلاح لبناء المؤسسات والحفاظ على حواضن النضال الوطني، الاحتكام للإرادة الشعبية، التنمية والارتقاء بحياة المجتمع، رفع الحصار وإطلاق الحريات، النهوض بمستوى الحضور السياسي لكي يصعّب على الآخرين تجاوز الشعب الفلسطيني.. كل تلك وغيرها، ملفات يقف حيالها رئيس السلطة وحماس، كمن أخربوها ولم يتواضعوا ولم يقبلوا على الأقل أن يجلسوا على تلّها ويتحملوا المسؤولية.

9