القرضاوي إمام الفتنة الأكبر

الثلاثاء 2014/01/28

يخطئ الخليجيون خطأ جسيما حين يسبق اهتمامُهم بصغار وهوامش الإخوان في دولهم الاهتمامَ بمن يحركون آلة الإرهاب (الإخوانية) التي تسفك الدماء وتنزع الأرواح وتدك كل المكتسبات الوطنية العربية في هذا الزمن الطافح بأجندات الإسلام السياسي، التي تتوغل لحساب مصالح أجنبية توظفها في هذا البلد العربي أو ذاك. إرهاب الإخوان، وإرهاب الإسلام السياسي بشكل عام، له مراجع فكرية تاريخية عتيدة، وتتوفر له أرصدة مالية ضخمة، يديرها، من بين من يديرونها، يوسف القرضاوي، الذي يسكن في قطر، ويغرف من بحور ثروتها الطائلة ليغدق على الجحيم الذي يَصْلي أمة العرب، فيما يسميه البعض “ربيعها” ويسميه آخرون، وأنا منهم، “خريفها”.

القرضاوي، أكثر من غيره، هو القادر من عرشه في قطر على مواصلة التأليب والتحريض على بلده مصر وعلى جيشها، الجيش العربي الصامد الوحيد، وعلى أهلها الذين يفتنهم كل يوم بفتاواه المرسلة على هواه وهوى من وظفوه ليلعب بالنار والدم في بيوتهم، بل ويلوّح بتلك النار أمام بيوت منطقة الخليج، التي باتت تضيق به وبارتكابات البغي والعدوان في خطابه المنبري والإعلامي بشكل عام.

وهذا القرضاوي، من باب التذكير لمن نسي أو تناسى، هو نفسه الذي أفتى للمسلمين الأميركان بالقتال في أفغانستان. وهو نفسه الذي لم يتردد لحظة واحدة في حياته عن دعوة القوات الأجنبية للتدخل العسكري في بلدان العرب والمسلمين، بل كان يلوم بعض الدول التي تتباطأ عن هذا التدخل. وهو نفسه الذي يفرق الأمة الإسلامية على هواه، ويمزقها شيعا وطوائف يضرب بعضها رقاب بعض. وهو نفسه الذي يُخرج من جراب الحاوي ما شاء من السحر ليضلّل الناس. أليس هو من أصدر تلك الفتوى التي حرّم فيها الثورة ضد حكم الإخوان والخروج على الحاكم الشرعي محمد مرسي؟

تلك الفتوى التي اعتبرتها مشيخة الأزهر “إمعان في الفتنة”، ونذير حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس على أرض مصر. لكن ما يهم القرضاوي إن عاش أهل مصر أو ماتوا جميعا، وإن تقدمت مصر أو تأخرت، وإن جاع أهلها أو شبعوا؟ المهم لديه، ولو سُفحت دماء نصف المصريين، أن يبقى الإخوان في الحكم، ليقرّبوه من مطامعه، وإن ظلموا وتعسفوا واستأثروا بالرقاب والمغانم والمناصب. وقد سبقه إلى هذه المدرسة صنوه مؤسس مذهب (الطزّية)، ومرشد جماعة الإخوان السابق، محمد عاكف، الذي قال بملء فيه في مقابلة صحافية سابقة: “طز في مصر.. وأبو مصر.. واللي في مصر..”.

وبالتالي حين نتدبّر في فتاوى القرضاوي ومواقفه، في السابق وفي الحاضر، فلن نستكثر منه، وهو من مؤسسي مدرسة الأممية الوهمية، هذا السيل العارم من التضليل وأدلجة الخطاب الديني لصالح جماعته، التي أطاحت بها الوطنية المصرية ممثلة بكل أطياف الشعب المصري، الدينية والثقافية والاجتماعية. ولن نستغرب منه توظيف النص الديني، وهو يعرف قبلنا أن هذا النص حمّال أوجه، لكي ينتصر للجماعة الباغية التي سقطت، رغم العصا الغربية والأميركية التي لوحت بها.

ولن نستغرب، أيضا، أن القرضاوي، الذي لوّح بعصا الغرب في وجه مصر وهدد أمنها وألب وحرض عليها، يُسخّر منبره منذ فترة، في ظل الحماية القطرية، التي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ملتبسة، ليدق أسافين الفرقة في علاقات دول الخليج في محاولة لتمزيقها كما حاول أن يمزق من قبل كل الأنسجة الوطنية والاجتماعية العربية، التي يبدو أن القرضاوي وعصابته ومريديه لا يرتاحون لرؤيتها آمنة مطمئنة. يسوؤه ويسوؤهم، بطبيعة الحال، أن يروا شعوب دول الخليج متلاحمة مع قادتها وحكوماتها وعصية على مخططاتهم الظلامية ومؤامراتهم التي تُطبخ في الخفاء في محاولات مستميتة لنزع ما تبقى في جغرافيا العرب من رغد العيش والأمن والاستقرار.

ولذلك هو بعد أن دبر مع آلة التنظيم الدولي للإخوان حملات الإساءة لمصر والسعودية والإمارات، لم يطق صبرا فالتفت إلى اللحمة القطرية الإماراتية ليعضها بأقوال سافرة وتربصات كيدية حاقدة لعله يصل إلى مبتغاه في تفتيت هذه اللحمة التاريخية الصلبة. لكن الإماراتيين، وقد وصفهم، من منبره في الدوحة، بأنهم يقفون ضد كل حكم إسلامي ويعاقبون أصحابه، فوتوا عليه هذه الفرصة بحكمتهم وحسن إدراكهم لأهدافه الضالة. فهم وإن أثارتهم خطبته ضد بلدهم وحكومتها وشعبها، ذَكّروه بأن مثل هذه المحاولات والدسائس الصغيرة والسخيفة لن تؤثر على العلاقة بين قطر والإمارات، لكنهم، أيضا، استغربوا الإصرار على استمرار بقائه في قطر، والخليج عموما، بعد تصريحاته العدائية المتكررة لدول المنطقة. بل إن ضاحي خلفان، كاشف أسرار الإخوان، اعتبر القرضاوي شيخ فتنة يدمر التعاون الخليجي وألا مكان له في الخليج، الذي يتهدد أمنه أشخاص من “الذين دمروا أمة محمد”، كما قال. ولم ينسَ خلفان أن يُذكّر (الشيخ) المتربص بأن الإماراتيين والقطريين أهل قبل أن تطأ قدماه أرض الدوحة.

وأظن أننا سنشهد في الأيام القادمة، إذا بقيت قطر مصرة على تمكين القرضاوي وبقائه في أراضيها، مزيدا من جرأته واعتداءاته على أنظمة وشعوب منطقة الخليج. وفي هذه الحالة لا بد أن صبر الخليجيين سينفذ وسيضطرون مكرهين إلى تغيير مواقفهم المتسامحة مع شقيقتهم، التي لم يعد خليجيا واحدا قادرا على فهم إصرارها وتماديها في فتح أراضيها أمام فلول الإخوان، الذين يستخدمون منابر مساجدها وإعلامها ليحرضوا على بلدهم مصر ويفتنوا الخليجيين ويمزقوا لحمتهم الصامدة إلى الآن.

إن قطر، في وجود القرضاوي وغيره من أعضاء جماعة الإخوان، تلعب بالنار قريبا من حدود أشقائها في منطقة الخليج العربي. ولا بد أن يفهم القطريون أن هذه النار التي يصب عليها القرضاوي وغيره، كل يوم، مزيدا من الزيت ستحرقهم قبل غيرهم. ولذلك لا يزال الخليجيون، منعا لتفكك مجلسهم وتحسبا للإبقاء على خطوط تجانسهم ومصالحهم المتشابكة، يعولون على الحكمة القطرية وينتظرون إجراء قطريا حقيقيا يُخرج القرضاوي وغيره من أعضاء جماعة الإخوان الهاربين من قطر، بعد أن اتضح، بما لا يدع مجالا لأية شكوك، أن الرجل وعصابته يسعون إلى تهديم بنيان مجلس التعاون الخليجي وتدمير مستقبل الخليجيين، بمن فيهم قطر.


كاتب سعودي

8