القرضاوي الذي يسيء للقرضاوي

الثلاثاء 2016/07/19

الخصومة يجب ألّا تلغي الإنصاف، وأي متابع لكتاباتي يعلم أنني أقف في خانة الضد السياسية للشيخ يوسف القرضاوي، وأقف في خانة الضد الكلية من جماعته، جماعة الإخوان المسلمين، الحاضنة الأم لميليشيات الإرهاب. وقد أسفت كثيرا حين قرأت التغريدات المسيئة التي كتبها القرضاوي قاصدا الشيخ عبدالله بن زايد وزير خارجية الإمارات.

بعد حوادث الإرهاب التي ضربت أخيرا الحرم النبوي الشريف والقطيف والعراق ولبنان وغيرها، كتب الشيخ عبدالله بن زايد سلسلة من التغريدات في تويتر “جاء الوقت لنعمل جميعا لحفظ ديننا الحنيف، ونزع صفة الإسلام من هذه الشرذمة المجرمة القاتلة. علينا أن نحاسب من حرض واسترخص دماء البشر وأجاز العمليات الانتحارية”، مذكرا بدور القرضاوي.

أتذكر تلك الأيام جيدا، بدأ السجال بفتوى لمفتي المملكة الحالي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ حرَّمَ فيها العمليات الانتحارية، ورفض تسميتها بالعمليات الاستشهادية، كان موقف آل الشيخ صارما ويشمل حتى المقاومة الفلسطينية لإسرائيل، وهنا انتفض القرضاوي ومن ورائه قناة الجزيرة ومن لف لفها، واتهموا السعودية ومفتيها بالعمالة والانهزامية.

في تلك الأيام، أي مطلع الألفية، بعد أحداث سبتمبر بسنة أو بسنتين، تلقيت اتصالاً من المفكر الفلسطيني/‏‏الأميركي الراحل شاكر النابلسي، أبلغني فيه بأنه أعد عريضة لرفعها إلى الأمين العام للأمم المتحدة يطالب بقوانين رادعة تحاسب الفقهاء الذين أجازوا العمليات الانتحارية، وكان القرضاوي من هذه الأسماء، وطلب مني النابلسي التوقيع فوقّعت وانضم إلينا المئات من المثقفين العرب، ورفعت العريضة للأمم المتحدة بالفعل، وأثارت ضجة كبيرة وقتها. وما فاجأني حقا، هو إنكار القرضاوي لتاريخه، ثم اللغة المسيئة التي استخدمها في رده، لينتصر الشيخ عبدالله على صعيد اللغة والمضمون معا.

عبدالله بن زايد المعروف بدماثة خلقه وعمق ثقافته ليس ابن اليوم، بل تدرج في مناصب الدولة حتى اعتلى زمام وزارة الخارجية والتعاون الدولي، مثبتا نجاحه في كل المناصب التي تحمل مسؤوليتها، فتجربته في وزارة الإعلام والثقافة غنية عن التعريف، بل هي المرحلة المؤسسة لتألق الإعلام الإماراتي الراهن وانتشاره وتأثيره.

وحضوره في السياسة الخارجية سبق توليه مقعد الوزارة، وكانت إطلالته في القمة العربية السابقة لسقوط بغداد تاريخية، إذ أعلن عن مبادرة الشيخ زايد لإنقاذ العراق، التي لو استمع لها العرب لتغير مجرى التاريخ إلى الأفضل والأحسن، ولنجونا من مهالك كثيرة. بعد تلك القمة، تابعت حضور عبدالله بن زايد في المحافل العربية والإقليمية والدولية، وتميّزت كلماته ومداخلاته بعمق سياسي وفكري ميَّزَهُ عن غيره كما كان معتادا أن يفاجئنا في العمق، ومن زاوية صائبة فورا وحتما ودائما.

لقد شعرت بامتنان كبير ناحية الشيخ عبدالله وهو يساوي بين داعش وبين إيران وميليشياتها كاشفاً كبد الحقيقة، ومرة أخرى تحدث باستفاضة عن أن الإسلام دين المحبة والإنسانية، فاضحاً جماعات التطرف والإسلام السياسي، ولا أنسى مؤتمره الصحافي بعد انطلاقة عاصفة الحزم “في اليمن أصول العرب، ولن تصبح أبداً إيرانية”، لتكون سيرة عبدالله بن زايد ومواقفه امتدادا لمكانة عميد السياسة الخليجية الأمير سعود الفيصل.

أما عن القرضاوي فالحديث يطول، لكننا سنحاول إيجاز البعض منه، بالنسبة إليّ شكل القرضاوي معنيين متناقضين، الأول تمثل كنقيض للتشدد السلفي، والثاني تجسد كأيقونة للإسلاموية الرجعية (الإسلام السياسي).

رغم العمر الطويل للقرضاوي في الدعوة وفي العلم الشرعي، فإن ولادته كنجم ديني يمكن ربطها بظهور قناة الجزيرة في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي عبر برنامج “الشريعة والحياة”، وكانت إطلالات القرضاوي مبهرة لشريحة لم تعرف غير فتاوى هيئة كبار علماء السلفية. كانت الفتاوى السعودية الرسمية في ذلك الوقت تقليدية إلى درجة الانعزال عن الحياة أو مصادمتها كليا، وظهر القرضاوي بخطاب مختلف، بدا أكثر انفتاحا من الناحية الاجتماعية، وأبعد كمعرفة ثقافية، ولفهم هذه الصورة اليوم ليس مطلوبا مقارنة القرضاوي بعدنان إبراهيم الذي يشكل ظاهرة حميدة هذه الأيام، إنما تجدر العودة إلى الأسماء الدعوية البارزة في ذلك الوقت.

المهم أن القرضاوي آنذاك، أقله بالنسبة إلي وإلى بعض المجايلين، اعتبر ظاهرة تسامح، وكانت فتاواه ذخيرة جيدة للنقاش مع التزمت السلفي الذي اعتبر القرضاوي رمز انحلال أخلاقي، وكان مفهوم التسامح بالنسبة إلينا بسيطا في ذلك الوقت، كجواز كشف الوجه وتحليل الأغاني، لكن القرضاوي قدم أكثر من ذلك في المواقف من الآخر، فدعا إلى الحوار مع الشيعة مثلا، وأتذكر أنه حين قامت حركة طالبان بنسف تماثيل باميان، سافر قبلها إلى أفغانستان محاولا ثنيها عن قرارها، بينما كانت السلفية الشعبية السعودية، أقله، تبارك الخطوة الطالبانية.

في تلك المرحلة اقتنيت كتابا ضخما للقرضاوي تحت عنوان “فتاوى معاصرة”، وقد قرأته بمختلف أجزائه سعيدا بخطاب ديني محترم، وقبل سنتين تقريبا أعدت تصفح الكتاب، والحقيقة أنه لا يمكن المجادلة في العلم الشرعي الذي حصّله القرضاوي كمًّا ونوعا، لكن الملفت أن التسامح الذي يتحلى به في بعض القضايا الاجتماعية ينقلب إلى تشدد عصبي في السياسة، وهذا ما يفسر رمزية القرضاوي لنقيضين، والأهم أنه يؤكد استحالة اجتماع الاعتدال والوسطية مع الإسلام السياسي.

بدأ القرضاوي في التغير، وفي الحقيقة لم يتغير، لكن حين تعلو نبرة السياسة يزول الفقيه الشرعي المتسامح نسبيا والمحترم، ويحضر الحزبي المتعصب والمتشدد، ومشكلة القرضاوي أن قلبه يميل إلى القرضاوي السياسي على حساب القرضاوي الفقيه، ويكمن الإشكال في أن السياسي يسيء للفقيه وأحيانا ينسفه نسفا، وهذا ما يفسر تناقضات القرضاوي ومواقفه على مر تاريخه، خصوصا في مرحلة الربيع العربي.

أساءت مرحلة الربيع العربي للقرضاوي على مستويين، الأول هو أنها أكدت تقدم مفهوم الجماعة عنده على قيمة الوطن، فحين تسمع خطاب القرضاوي السياسي تشعر به إخوانيا أكثر من كونه مصريا، والثاني حين استعر الخلاف الخليجي – الخليجي عقب ثورة 30 يونيو المصرية، كان محزنا أن يقبل القرضاوي بأن يتحول، وهو العالم الجليل، كأداة في هذا الخلاف، والمشكلة الأكبر أننا شعرنا به قَطَريا أكثر من القَطَريين، أي أننا في المستويين لم نشعر بمصريته.

إنني أشعر بالإشفاق حقا على القرضاوي هذه الأيام، فمن حضور إيجابي في الذاكرة إلى واقع كارثي، إذ قبل نحو عقدين كان خطاب القرضاوي سدا في وجه التطرف والغلو، واليوم أخذته السياسة إلى العدم، تظلمه إذا صنفته مع المتطرفين، وتظلم الاعتدال والوسطية إذا صنفته معتدلا أو وسطيا، ليته يترك السياسة متوقفا عن الإساءة لنفسه ولعلمه، فحين يوارى الثرى، بعد عمر مديد، سيتذكر الناس فقهه أما سياسته فستذهب هباء منثورا.

كاتب سعودي

8