القرضاوي العاشق مطلوبا

الأحد 2017/06/18

كنت في مرحلة ممن آزروا الشيخ القرضاوي في غزوته المثيرة التي روى تفصيلاتها في مذكراته. أيامها قدّرت له جرأته وهو يقص نتفا من حكاية حبه للصغيرة الجزائرية أسماء، التي كانت لا تزال طالبة تدرس الرياضيات. لم يكن الشيخ قد آذى مشاعرنا فيما هو يؤسس لأدب غرامي مشيخي، انقطع بعد وفاة الشيخ النفزاوي مفتي تونس في الربع الأول من القرن الخامس عشر، وذاك كان الأجرأ والأغزر علما في الموضوع. اكتفى القرضاوي بالبوح العاطفي، وبحكاية غزوة تخطت اعتبارات الفوارق في السن، ووقار الدُعاة، إعلاء لشأن الحب وتسهيلا للنكاح. كان الشيخ صريحا وشفافا، حين قال: لقد شاء الله أن يتطور الإعجاب إلى عاطفة دافقة، وإلى حب عميق لا يدور حول الجسد والحس، كما هو عند الكثير من الناس، بل يدور حول معان مركبة، امتزج فيها العقل بالحس، والروح بالجسم، والمعنى بالمبنى، والقلب بالقلب، وهذا لا يعرفه إلا من عاشه وعاناه!

ويروي أنه تردد كثيرا بسبب الفارق الكبير في السن (نحو نصف قرن) إلا أن “سُحب التردد سرعان ما انقشعت، عندما أشرقت شمس الحب. فهكذا هو العشق: جنون، والجنون فنون، والحياة شجون، ولله في خلقه شؤون”.

بصراحة كنت أؤيد الشيخ في وصف ذاك التردد بالسحاب، الذي يلبد مناخات الحياة وخصوبة الحرث، غير أن ما أزعجني من فضيلته ليس خياراته الغرامية، وإنما كون الشيخ يرفد سماواتنا العربية بكثيف الغيوم، حتى بات سامعوه يستنكفون عن أي مصالحات مع أبناء جلدتهم، بفعل عوامل عدة، من بينها انحياز الداعية الذي يطيعون للمناخات الملبدة وتحريضه لكي لا ننكح وفاقا. فبينما هو ينقي سماواته وينشد السطوع لشموسها المركبة حسيا وعاطفيا؛ تظل على رأس لسانه فتاوى انقضاض الناس على الناس!

يعتمد القرضاوي فقه الموازنات وهو مستحدث، ويغض الطرف عن “فقه النوازل”. يضع ما يراه من المنافع في كفة والمفاسد في الكفة الأخرى. في ذات واقعة، كان الموضوع يتعلق بجندي أميركي مسلم، جاء به النفير الغاشم إلى أراضي المسلمين، لكي يقتل مسلمين من إخوته في الدين. استغاث الجندي بالشيخ، وخرج من عنده بفتوى تجيز له إطلاق النار على المسلمين بضمير مرتاح، تلافيا للضرر الأعلى!

ربما تكون الفتوى الواجبة هذه المرة هي الجواب عن السؤال: أيّ الضررين أعلى أن تأخذ الفتنة مداها ويألم الناس جميعا أم أن يوضع اسمه على قائمة الإرهاب ويظل مطلوبا؟

24