القرضاوي.. اليد الإخوانية الطولى تعود إلى "الإثم"

الأربعاء 2014/01/29
الصمت الرسمي يؤكد عمق الصلات بين الدويلة والجماعة

“التصريح” السياسي الأخير للشيخ يوسف القرضاوي خلال إلقائه خطبة الجمعة الأخيرة في مسجد عمر بن الخطاب في الدوحة، كان مثيرا لسيل من الردود من نفس جنسه السياسي كسوابقه. تعمدنا القول أنه تصريح سياسي ضمنه خطبة جمعة، لأن الشيخ أخرج الخطبة من مدارها الديني المفترض وزحف بها باتجاه حقل سياسي، واستغل الفضاء والمناسبة لتصفية خصومه وخصوم جماعته وخصوم دويلة راعية هامت به وهام بها.

يوسف القرضاوي كان خلال خطبة يوم الجمعة 24 يناير 2014، رجل سياسة بامتياز، لكنه كان يرتدي عباءة رجل الدين. والعباءة هنا كانت من قبيل “لزوم ما يلزم” يستعملها الرجل (وغيره) للتسويق والتضليل وتلبيس الحق بالباطل.

خطبة الجمعة الأخيرة والتي امتدت زمنيا على أكثر من ساعة واثنتي عشرة دقيقة، كان الملمح السياسي فيها غالبا على البعد الديني. حيث دخل القرضاوي رأسا في الموضوع ويبدو أنه أراد أن يشارك الشعب المصري احتفاله بالذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، لذلك دعا كل المصريين والمصريات (المحجبات وغير المحجبات على حد تعبيره) إلى الثورة على النظام السياسي القائم بعد 3 يوليو 2013.

دعوة القرضاوي أهل مصر بالخروج ضد النظام السياسي القائم، كانت خطيرة ومضللة، خطيرة لأنه استخدم موقعه الديني والفضاء المسجدي الذي يتكلم من داخله ليمرر إشارة سياسية عدت من قبيل تحريض الناس والعناصر الإخوانية على التحرك وبالتالي على العنف والإرهاب. وهي مضللة لأن الرجل استخدم- عمدا وهو دأبه- التباسا أو تماهيا مقصودا حين قال: “إذا خرج المصريون بقلب مؤمن وصادق ووقفوا يدعون الله عزّ وجل أن ينصر أهل الإيمان على أهل الكفر، وينصر أهل الحق على أهل الباطل… فإن الله سيستجيب لهؤلاء”.

اعتبر القرضاوي أن المعركة السياسية القائمة في مصر، هي بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وطبعا هو يعتبر أن الإخوان ومن يناصرهم هم من أهل الإيمان يقاومون من أزاحهم من الحكم من “أهل الكفر”.

لم يكن هذا الأسلوب (تقسيم المجتمع بين كفار ومؤمنين) شاذا أو مستحدثا أو طارئا على المتصوّر الإخواني عموما وعلى منطوق القرضاوي بشكل محدد، ففي هذا القول نتلمّس صدى لكل الدعاوى التكفيرية منذ زمن قطب. وهذا أحد دواعي الضجّة التي أثارها الخطاب السياسي للقرضاوي من داخل مسجد في الدوحة.

لم ينس القرضاوي أن يخصص نيران حنقه على الإمارات، نشير هنا إلى المقام ليس للدفاع عن الإمارات التي تمتلك من الرجال والوسائل والحجج ما يتيح لها أن تدافع به عن نفسها، ولكن الاستغراب يخصّ جرأة القرضاوي على تقديم قول فاقد لكل منطق أو وجاهة حيث أشار- تعسفا- أثناء دفاعه عن محمد مرسي إلى أن “أحمد شفيق من رجال حكم حسني مبارك وذهب ليعيش في الإمارات.. التي تقف ضد كل حكم إسلامي وتعاقب أصحابه وتدخلهم السجون..”.

القرضاوي كان خلال خطبة الجمعة، رجل سياسة يرتدي عباءة رجل الدين. والعباءة كانت من قبيل "لزوم ما يلزم" يستعملها للتسويق والتضليل

هذا التطاول على دولة بسيادتها ومؤسساتها وقوانينها- فضلا عن البعد التعميمي المضلل الذي طفح به- هو شكل من الانتقام لدولة أرادت أن تخلص أرضها من طفيليات وأورام سعت إلى التعشيش فيها، والمقصود هنا تلك الخلية الإخوانية التي كشف النقاب عن نشاطها وأجنداتها في الدولة، ومثل كل كيان سياسي يكتشف تآمرا وتخطيطا يهدد سلمه فقد أحيل الأمر برمته إلى القضاء ليبت في أمر الخلية ومن وراءها.

لكن القرضاوي لم ير ذلك وعمد إلى تقديم خطاب انتقامي حاقد كان يقدمه لكل من يعادي الإخوان المسلمين أو يختلف معهم أو يكشف ترهاتهم (في البال أيضا موقفه من الاحتجاجات التي عمت تركيا ضد أردوغان وحزبه الإخواني).

خطبة القرضاوي (التي نصر على اعتبارها خطابا سياسيا تضمن دعوات مشفرة للعناصر الإخوانية في مصر بالتحرك) سواء في جزئه المصري، أو في جزئه الإماراتي أو في بقية أجزائه التي تجوّل فيها بين الأقطار العربية، واستعرض قراءة إخوانية للتاريخ المصري (من عبدالناصر والسادات وصولا إلى السيسي مرورا بمبارك) كانت عيّنة معبّرة عن طريقة التفكير الإخوانية بشكل عام. تفكير ينتصر للدعاوى والتنظيمات الإخوانية أينما كانت، ويختزل الحق في الجماعات الإخوانية بل يختزل الإسلام بكل ما يحمله من قيم وفضائل في المنتمين للإخوان. تفكير يقوده يوسف القرضاوي الذي يوفر (كلما تطلبت المرحلة ذلك) للتنظيم ومريديه “حججا” أو “براهين” للدفاع عن الجماعة. ولإضفاء بعض الوجاهة على الخطاب فإن الشيخ لا يتورع ولا يرى ضيرا في أن يعتبر الإخوان أهل الإيمان والمعركة السياسية بين الإخوان وخصومهم (من المفترض ألا تبرح الفضاء السياسي) معركة بين الإسلام وأعداء الإسلام.

للقضية بعد آخر خطير يتعلّق بها، ومفاده أن القرضاوي يلقي خطبه ونيرانه كل جمعة (وكل مناسبة يتاح له فيها ذلك) من منبر مسجد يقع في الدوحة، أو من داخل فضائية تقع في العاصمة نفسها، لكن النيران التي يطلقها شيخ التصابي السياسي تحمل إشكالا قانونيا وسياديا وهو أن الدولة التي ترعاه يفترضُ أن توقف جموحه عندما تطال نيرانه دولا شقيقة أو حتى غير شقيقة، فعلاقات الدول تحكمها قوانين دولية توجبُ منع إطلاق تصريحات معادية من داخل أرضها ضد الآخرين، ولكن هذه الحالة تتناسب مع القول العربي “وافقَ شنّ طبقة”، لأن الصمت القطري على تجاوزات القرضاوي تجاه الجميع (تجاه مصر والإمارات في هذه الحالة) يشي بأنها سعيدة بما يقدمه أو على الأقل غير مختلفة مع ما يطلقه من تحامل.

تبدو الصورة جلية حين نستحضر الدعم القطري للتنظيمات الإخوانية، (وهي للمفارقة لا تتوفر على فرع إخواني داخل أراضيها منذ حل تنظيمها نفسه أواخر التسعينات).

الدعم القطري السخيّ للإخوان تمثل في الاعتمادات المالية الطائلة الموضوعة على ذمة جماعة الإخوان، وتمثل أيضا في توفير منصة إعلامية جبارة تعمل ليلا نهارا من أجل صنع وتشكيل رأي عام مناصر ومتعاطف مع الإخوان، وتمثل أخيرا في تجنيد مئات الدعاة والشيوخ لإضفاء السند الأيديولوجي الديني على ما قد يشوب الراهن السياسي من ضبابية وارتباك.

من قطر تحدث القرضاوي متطاولا على مصر وعلى الإمارات في تدخل فجّ في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة، ومن قطر يواصل دعمه اللامتناهي للجماعات الإخوانية ويجهد نفسه في استحضار ما أتيح له من تبريرات للدفاع على ما تبقى من التيارات الإخوانية، وفي قطر سادَ صمت رسمي على تجاوزات شيخ طريقة الإخوان، وبين الحرص القرضاوي على الدفاع المحموم على الإخوان والصمت القطري الرسمي يلوح المشروع/ التحالف جليا لا يحتاج مزيدا من البراهين.

المشروع التحالف قوامه أضلاع أصبحت معروفة؛ قطر والجماعة الإخوانية وشيوخ ودعاة ووسائل إعلام وكل ذلك لخدمة مشاريع كبرى في المنطقة، فالدويلة وشيخها وجماعتها لا يتجاوزان مستوى الطابور الخامس أو الوكيل المحلي للبرامج الأميركية في المنطقة، تقدمت لتنفيذها الجماعات الإخوانية والدويلة الخليجية وجلبت معها وسائل العمل والتنفيذ.

لكن كل ذلك لا يمنع من القول بأن الأجيال القادمة ستدرس حتما أن الجماعة الإخوانية عرفت في تاريخها مراحل كبرى بدأت من البنا الذي رسم الإطار التنظيمي للجماعة، وتواصلت مع سيد قطب الذي أسبغ على الجماعة البعد الأيديولوجي المتطرف والمغالي، وربما يصبح القرضاوي مرحلة ثالثة توسم بأن الرجل كان رائد التضليل وتلبيس الحق بالباطل والدفاع عن المحموم من منطلق “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”.

13