القرضاوي "مفتي الإخوان": الشيخ علي جمعة "مفتي العسكر"

الجمعة 2013/10/11
القرضاوي يهاجم علي جمعة بتحامل ليصفي حساباته مع خصوم الإخوان

على خلفية إسقاط الإخوان من الحكم في مصر، وما ترتب عنه من تأثر عديد التيارات الإخوانية في العالم العربي، لم يتردد عتاة الإخوان ومنظريهم في الاستماتة في الدفاع عن الجماعة الأم، ومن بين من «تميزوا» في ذلك، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوسف القرضاوي، الذي لم يتوان عن نقد كل من ساند حركة 30 يونيو في مصر وما صاحبها من إسقاط الإخوان من سدة الحكم.

تداولت وسائل الإعلام أمس الخميس، تصريح الشيخ يوسف القرضاوي الذي أشارت بعض الصحف المصرية، إلى أنه مستقى من تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، لكننا قمنا بزيارة للموقع الرسمي لرئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، فتبين أن الهجوم على علي جمعة يتجاوز مجرد «التغريدة» بل هو أشبه ببيان سياسي، على شاكلة ما يحبّره القرضاوي دائما في الموقع المذكور.

تجدر الإشارة أولا، إلى أن هجوم القرضاوي على علي جمعة جاء على خلفية تسريب مقطع فيديو نسب للأخير، وتداولته مواقع الإخوان بكثافة شديدة، ومفاده حسب زعم الصفحات الإخوانية أنه قال موجها كلامه للعسكر «اضرب في المليان، وإياك أن تضحي بأفرادك وجنودك من أجل هؤلاء الخوارج، فطوبى لمن قتلهم وقتلوه، فمن قتلهم كان أولى بالله منهم، بل إننا يجب أن نطهر مدينتنا ومصرنا من هذه الأوباش، فإنهم لا يستحقون مصريتنا ونحن نصاب بالعار منهم ويجب أن نتبرأ منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب».

لكن الدكتور علي جمعة أصدر أول أمس الأربعاء توضيحا على موقعه الرسمي كذب فيه ما ورد في الفيديو المسرّب وقال أنه مجتزئ وأنه سيقوم بنشر الفيديو كاملا خلال وقت قصير، وأضاف الموقع إن «فضيلة أ. د علي جمعة لم يصرح طوال حديثه بكلمة الإخوان وإنما كان يتحدث عن الخوارج وعن الجماعات المسلحة التي تقاتل قوات الجيش المصري في سيناء، وتسعى في الأرض فسادا وتهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.. فلماذا سحب الإخوان هذا الكلام عليهم؟».

انطلاقا من هذه الخلفية، جاء ردّ يوسف القرضاوي، الذي لم يفوّت هذه الفرصة ليسدد نيرانه على الشيخ علي جمعة، وأصدر بيانا ناريا الأربعاء، ورد فيه «من هؤلاء المحرفين الكاذبين، الشيخ أو الجنرال علي جمعة، المصري الذي دخل في علماء الأزهر، وهم يبرؤون منه، وعيَّنه حسني مبارك مفتيًا لمصر، ثم خرج غير مأسوف عليه، بعد أن أفتى فتاوى مرفوضة، لا تقوم على كتاب ولا سنّة».

وادعى القرضاوي أن علي جمعة كان «يقول ويكرر: اضرب في المليان. وهي كلمة معروفة عند العسكر المصريين، أي: اضرب في المقاتل: في البطن، وفي الصدر، وفي الرقبة، وفي الرأس».

وأضاف القرضاوي في جزء آخر من بيانه «الشيخ علي جمعة لا يعتمد على ما يعتمد عليه العلماء، بل يعتمد ما يعتمده البلطجية. إنه يؤيد أهل القوة على أهل الحق، ويؤيد الجنود على العلماء، ويؤيد العسكر على الشعب. ويؤيد السيف على القلم. ويؤيد السلطان على القرآن، والدولة على الدين».

قد يتساءل البعض ما سرّ كل هذه الهجمة الشرسة- التي استعملت فيها كلّ الأوصاف النابية- من قبل القرضاوي على رجل في قيمة الشيخ علي جمعة؟ خاصة وأن الأخير أكد أن مقطع الفيديو الذي نُشر وتم تداوله مجتزأ ومقتطع ومنزوع من سياقه، وأنه لم يأت على ذكر الإخوان. ألم يكن يجدر برجل دين في شهرة القرضاوي أن يتحرى الأمر حتى مع علي جمعة نفسه؟ أو ينتظر نشر الفيديو الكامل؟

لكن كل هذه الأساليب، لم تدر في خلد يوسف القرضاوي، أو هو ليس في حاجة لاعتمادها، طالما أن غايته الرئيسية هي تشويه علي جمعة ومن ورائه كل من ساند إسقاط الإخوان المسلمين، وهذا مؤداه أن القرضاوي كان يدافع عن الإخوان، ويهاجم المؤسسة العسكرية المصرية من خلال بيانه الموسوم «رد على مفتي العسكر (علي جمعة)».

ما يؤكد هذا ويعززه، أن القرضاوي لم يكن الصوت الوحيد الذي هاجم علي جمعة بكل هذا العنف والتسرع، حيث نشر موقع الجزيرة نت (الذي أدلى بدلوه في الموضوع أيضا) بيانا لما سمي «جبهة علماء ضدّ الانقلاب» التي دعت الشيخ علي جمعة إلى «التوبة والكف عن استخدام الألفاظ البذيئة والأوصاف القبيحة، وطالبت الأزهر الشريف بسحب الدرجة العلمية منه بسبب «استخدامه النصوص الشرعية بشكل فاسد».

وواصل بيان «علماء ضدّ الانقلاب» بالقول «ليست هذه المرة الأولى التي يصف فيها هذا المفتي معارضي الانقلاب بالخوارج، وإنما أطلق عليهم هذا الوصف في غير مناسبة وفي غير خطبة، وكانت الجبهة تنأى بنفسها عن الردّ على مفتي الدماء لأنها رأت أن ما يقوله دجل وخرافات ولا يستند لأي دليل، وإن أتى بدليل فإنه يلوي عنقه ويلبس به على الناس..»

ما يصل بين بيان القرضاوي وموقف «علماء ضدّ الانقلاب» يمتد على مستويين؛ الأول هو منسوب الحقد والحنق البادي في اللغة المستخدمة في نقد وإدانة ما قيل أنه ورد على لسان الشيخ علي جمعة، حيث طالعنا (في البيانين) ألفاظا لم نعهد قراءتها في القاموس الديني أو في حجاج رجال الدين من قبيل: من أفجر الفجور أن يقول الشيخ جمعة، أو من هؤلاء المحرفين الكاذبين، الشيخ أو الجنرال علي جمعة، المصري الذي دخل في علماء الأزهر وهم يبرؤون منه وغير ذلك من الأوصاف، التي تتفق مع ما ورد في بين «علماء ضد الانقلاب» من أوصاف ونعوت.

المستوى الثاني يقوم على أن أغلب أو جلّ من سارعوا إلى نقد الشيخ علي جمعة، دون انتظار توضيحه، ينتمون إلى الجماعات الإخوانية في شتى أرجاء العالم العربي والإسلامي، يتقدمهم القرضاوي بصفته رئيسا للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين (الأداة الفكرية لجماعة الإخوان) وجبهة علماء ضد الانقلاب (لا يسمح الحيز باستعراض أسماء أعضائها لأن عددهم يتجاوز 500 موقّع من مختلف أنحاء العالم) ومن بينهم صلاح الدين سلــــطــان (عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو مجلس أمناء رابطة أهل السنة) إضافة إلى بعض المواقف الفردية التي صدرت من جملة من الشيوخ والدعاة على غرار الشيخ طارق السويدان، والشيخ عصام تليمة عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي طالب بالحجر على المفتي السابق لأنه «فقيه ماجن» على حد تعبيره.

البيان العاصف للقرضاوي، وسيل المواقف الأخرى الذي تهاطل منددا بما قيل أنه تصريح لعلي جمعة، يقيم الدليل على أن الجماعة يدفعها الانفعال والتحامل، وهي في حقيقة الأمر لا تدافع عن الدين الإسلامي أو عن وصف طائفة ما بالخوارج، بل هي تدافع عن جماعة الإخوان المسلمين وعن حكم مرسي، ولعلّ بيان القرضاوي- الذي كان طافحا بالإشارات والتعبيرات السياسية- تعبير على أن مفتي الإخوان أصدر «بيانا سياسيا» جديدا، لا صلة له بعالم الإفتاء أو التأويل الديني. وذلك كله يختزل معضلة الإسلام السياسي برمته التي تتلخص في تلبيس الدين بالسياسة.

13