القرطاس في المفهوم الغرافيكي

الأحد 2016/10/30

يهمل أغلب الكتّاب ودور النشر العربية قضية مهمة للغاية تتعلّق بشكل الكتاب المطبوع ونوعية التصميم وتقانته وعلاقة موضوعه بموضوعة الكتاب نفسه، ناهيك عن تأثيره الكبير على القارئ وحجم المبيعات وتحديد هوية دار النشر وغيرها من العوامل، وإذا كان المثل القائل “كل علم ليس في القرطاس ضاع″ صحيحاً إلى حدٍّ ما، فإنّ القرطاس هنا هو بمثابة الوجود الفيزيائي للكتاب من ورق داخلي وغلاف وألوان وحروف طباعية وتقنية تجليد، أي بعبارة أخرى هو الإناء الذي يحتوي عصارة الفكر وخلاصة الرؤى والأفكار والتخيلات والنظريات والتهجدات.

وكلّما كان هذا الإناء محكماً وجميلاً ومتقن الصنع كلما تمكّن من المحافظة على المحتوى وتقديمه بأبهى صورة، وللتصميم جملة عناصر واشتراطات يتوجّب توفّرها لضمان دقّة العمل واحترافيته، وهي ليست عملية عشوائية على الإطلاق، وثمّة معايير فنية وأخرى جمالية لا بدّ من مراعاتها في التصميم قد تغيب عن ذهن الكاتب أو الناشر العربي في خضمّ العشوائية التي تسم عملية النشر في الكثير من الأحيان، واحدة من أهم تلك العوامل هي العلاقة البصرية بين عين القارئ أو المتفحص للكتاب والغلاف، وهي قضية علمية طالما تركّز عليها معاهد التصميم الاحترافية في الغرب، فثمّة تواشج عفوي غير محسوس بين العين وعناصر الغلاف، لا سيما في النظرة الأولى، وثمّة أغلفة منفّرة لا تبعث على التواصل والراحة النفسية، وهذا الأمر لا يقتصر على الغلاف وحسب، بل يتجاوزه إلى الصفحات الداخلية أيضاً، فطبيعة الحرف المستخدم والألوان وتناسقها وكثرة العناصر في التصميم أو قلّتها أو لون ورق الداخل الفاقع الذي يعكس الضوء ويؤذي العين، وشكل الحرف المستخدم في المتن والمسافات بين الكلمات والأسطر، كلها عوامل محسوبة على المصمم المحترف أخذها بنظر الاعتبار، فما بالك بالكاتب أو الناشر الذي لا يتوفر على دراية من نوع ما بهذه التفصيلات؟

وتصميم الأغلفة مدارس وأنماط مختلفة كثيرة ومتعددة، يسعى أغلبها للتفرد بالشكل ومحاولة اكتساب هوية تصميمية محددة لا تشبه أنماط الآخرين، كما تسعى دور النشر العالمية لتأصيل هوية تصميمية ثابتة خاصّة بكتبها، يستطيع القارئ معرفة تلك الكتب بمجرد النظر إلى التصميم، ولا تعني هذه الخاصّية التكرار أو الثبات على نمط معين أو متشابه في تصميم أغلفة دار نشر ما، لكنّها تعني اعتماد عناصر وأنماط حروف شبه ثابتة في التصميم، وفي عالمنا العربي عجزت أغلب دور النشر، ومنها المهمة والرئيسة أو المشهورة عن تحقيق مثل هذه الهوية التصميمية وظلت العشوائية في التصاميم هي السائدة.

إن كثرة العناصر في التصميم على سبيل المثال قد تسبب نوعاً من التشويش للعين وبالتالي قد تدفع القارئ للنفور من الكتاب حتّى لو كان المحتوى مهماً أو الكاتب معروفاً، كما أن استخدام الحروف المعقدة والمتداخلة في عنوان الكتاب أو ضعف ما يسمّى في عالم التصميم بالتباين الذي يسببه استخدام الخلفيات أو ما يسمى بلغة المصممين العرب بالـ”شبك” قد يضعف من ألق حروف العنوان، وبالتالي صعوبة قراءته من بعيد، لا سيما وأن الكتب تعرض على ألواح العرض بمسافة تبعد حوالي المترين أو الثلاثة أمتار عن عين القارئ.

العامل الآخر والمهم من وجهة نظري هو الميل لاستخدام اللوحات العالمية في تصميم أغلفة الكتب العربية، الأمر الذي يسلبها خاصّية المحلية ويبدد الجهود الساعية لتأصيل مدارس تصميم عربية أو شرقية ذات ملامح ومفردات وعناصر تصميمية مستلهمة من الأجواء العربية والشرقية بما يتناسب وطبيعة الكتاب.

لقد تمكنت قلّة قليلة جداً من المصممين العرب المشتغلين في هذا المجال من ترسيخ هوية تصميمية ما أو إرساء ملامح متفردة تختلف عن الآخرين، ويمكنني الإشارة هنا إلى تجربة دار الربيع العربي وتصاميمها المتميزة التي تمكنت من التفرد وترسيخ الملمح الشرقي في أغلفتها على الرغم من كثرة العناصر المستخدمة وتداخلها، لكنّها في المحصلة تجسد هوية مختلفة لا تشبه التصاميم الأخرى.

كاتب من العراق

15