القرف من السياسة في تونس

السبت 2013/11/02

يشعر التونسي اليوم بكثير من المرارة وهو ينام ويصحو على خبر الموت وعويل الثكالى، وحتى العلم المفدّى لم ينكّس في تاريخ البلاد مثلما نكّس هذه الأيّام حزنا على من قتلوا غيلة وهو يؤدون واجبهم المقدّس.

الموت في سبيل البلد صار له معنى فجائيّا مقيتا. لأنّ التضحية بالنفس من أجل أن يحيا الآخرون لها قواعدها، وأوّلها الاستعداد النفسي والجسدي للقيام بهذا العمل. لكنّ المأساة في ما يحدث اليوم مع مسلسل القتل أنّ من يموت يذهب من غير نيّة إلى المَوْت يذهب من أجل تطبيق القانون فيقتل غيلة؛ لذلك اقترن الموت بالفجئيّة المقيتة التي تجعل المواطن لا يأمن على حياته وهو الأعزل؛ وتجعل الطمأنينة لديه حمقا لأنّ «الموت راصد» على حد عبارة ابن عبد ربّه. لكنّ الموت الفجائي ليس فجائيا إلاّ للمكتوي به سواء أكان ذلك المكتوي شهيد الواجب أم عائلته أم أقاربه أم أبناء جلدته من المواطنين البسطاء الذين لا يضربون الأخماس السياسية في الأسداس الإيديولوجية أو في الأسباع المالية…

المواطن البسيط- المتشبّث بالحياة والمنتظر لاستقرار يراه يبعد كلما ظنّه قريبا- هو الوحيد الذي يأكله الأسى والأسف لفقد القريب والجار ذي الجنب وابن البلد..لذلك يبدو له الموت فجئيا وفاجعا ومأساويا كلّ مرّة. إنّه يعيش الفجيعة كلما تجدّد حدث القتل؛ ويتلبّسه شيطان الخوف هو الذي يطلب ملائكة الأمن وحمام السلام.

الموت ليس فجائيّا بالنسبة إلى صنّاع الموت الذين يخطّطون له أو يردّون به على أنه أقرب الطرق إلى الفرار إلى الأمام..وأن يموت نفر أو مئة أو ألف سيّان لدى القاتل، لأنّ الذهن لديه قد فاضت فيه مشاهد الدماء.

حين يغرق الذهن في مشهد القتل يتخلى المرء عن ضميره المستتر وعن روحه الوقّادة وعن صوت الله الجميل في الأرض الذي تسمعه في رخيم صوت البلبل وفي دمدمة الريح التي مهما تقوّت فإنّها تعطي للإنسان هوادة.. صوت الله الجميل في الأرض لا يعرفه البُوم الناعق الذي لا يعجب صوته غير نفسه ولا الغراب الحامل إلى الغافل نحسا غير منظور.. صوت الله الحقّ تعرفه حمائم السلام وبسمات الأطفال ورطوبة هواء يبشّر بغيث نافع عميم.

حين كانت الشّعوب المضطهدة تُقتل غيلة تحت كثير من العناوين كان أصحابُ الحق يفهمون لمَ تقتل الأنفس البريئة.. لكن أن تقتل في عصر الحرية غيلة ودون سبب فذلك أمر لا يفهمه عاقل. كيف يمكن في عصر الحريّة أن توجّه البنادق إلى كل اتجاه يكون فيه الحق غازيا الباطل؟

إنّ حوار البنادق مرحلة في التحاور تجاوزتها أكثر الشعوب تعطّشا للسلطة وللهيمنة ومرّت إلى أساليب أخرى قد تكون أعنف- ما في ذلك شكّ- لكنّه عنف مضمر لا يمكن أن تراه يمارس بالأسلحة الجديدة «الباردة» و»الخضراء» و»الزرقاء» والدبلوماسية تمكنت دول عظمى من الوصول إلى أهدافها في الهيمنة ووجدت فيها خير بديل من النار الطنانة والحروب المدوية التي يكثر فيها الدمار وما يصل منها أهل البارود إلى مبتغاهم.

لم يتّعظ اليوم من يديرون معاركهم بأفواه السلاح بأنّ البارود لم يعد السلاح الأنجع، وأنّ إخافة الأفئدة وإرهابَ الناس لن يُوصل إلى أيّ هدف.

كلما صرخ البارود نخر العقلَ السوسُ. ولا يمكن لعقل نخره السوس أن يسوسَ الناس حتى وإن كان ذلك يوما من أيّام يعتقد بأنّ القوة غالبة.

هناك فئة ترى في السياسة اليوم في تونس أمّ الدّاء وسببا للبلاء والتطاحن السياسي الذي يسوّق له الإعلام السياسي تحت كثير من المسميات والذي بات وبالا على كثير من التونسيين فهم يريدون لو يعود الصفاء، وإن بعصا سحرية، إلى نفوس شتّتها الانقسام السياسي واللهاث الذي لا يني ولا يتعب وراء كرسي أو ربع كرسي أو حتى مسمار من الكرسي.

للسياسة أخلاقها الرفيعة لكنّ الغالبية العظمى يتناسونها ويجنحون إلى الضرب تحت الحزام والركل تحت الطاولة؛ وللسياسة ثقافتها الداعية إلى أن نولّد من الاختلاف رأيا جامعا لكنّ ذلك بعيد عن تفكير ساستنا فأيام العرب كداحس والغبراء والبسوس قد أحييت على أيديهم.. قد ينسى الشيطان سبب خروجه من الجنة وقد لا ينسى السياسي حقده الإيديولوجي القديم.

للسياسة استراتيجيتها وبرامجها التي تميز حزبا عن آخر؛ ومخططاتها من أجل النهوض بالمواطن وتحقيق حياة كريمة؛ لكنّ السياسة في بلادي كلام فخم خاو وتلاعن وسباب إلى يوم الدين.

السياسة أصلها الأفكار وتنفذها الرجال، وعندنا سياسة أولها السياسي الذي تصنع رمزيته بين عشية وضحاها من ركام الأساطير، وثانيها السياسي الذي يلقّن ما يقال، وثالثها السياسي الذي إذا اجتمعت لديه البدلة والمال والرجال صار فرعون عصره ومصره.

الشعور بالقرف السياسي لا يترجمه الناس بمثل ما ترجمتُه هنا؛ لكنّهم يشعرون به وكأنه كوابيس لا تنتهي تزيد الطين بلة والتراب وحلا وتغرق الناس في الغلاء والديون وتدفعهم إلى ممارسة ما ينسيهم فيها الهموم كالقعود والركود والملل والكسل وكل مفردات التخلف.


كاتب تونسي

9