القرن الأفريقي والاستراتيجية الإيرانية

الخميس 2014/05/15
إيران تسعى إلى استغلال القرن الأفريقي كنقطة ارتكاز في مواجهتها للغرب

يكتسب القرن الأفريقي أهميته الاستراتيجية من كون دوله وهي (الصومال وإرتريا وجيبوتي) تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية، ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج، والمتوجهة إلى أوروبا، والولايات المتحدة، كما أنها تعد ممرا مهما لأي تحركات عسكرية، قادمة من أوروبا، أو الولايات المتحدة، في اتجاه منطقة الخليج العربي.

ولا تقتصر أهمية القرن الأفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعداها إلى الموارد الطبيعية، كالنفط والذَّهب والغاز الطبيعي وامتلاكه احتياطات كبيرة من المعادن التي تستخدم في الصناعات الثقيلة والنووية، مثل: الكوبالت واليورانيوم.

أضف إلى ذلك قربه من جزيرة العرب بكل خصائصها الثقافية، ومكنوناتها الاقتصادية، علاوة على ما فيه من جزر عديدة، ذات أهمية استراتيجية، من الناحية العسكرية والأمنية، من نحو جزيرتي حنيش، ودهلك.

هذه الأهمية الاستراتيجية للقرن حولته إلى منطقة نفوذ غربي بامتياز، وجعلته مطمح الدول الكبرى بإقامة مشاريعها الاستغلالية كالمشروع الأميركي المعروف بمشروع القرن الأفريقي الكبير ويضم كلا من _ (إثيوبيا والصومال وإريتريا وجيبوتي)، فضلا عن دول منطقة البحيرات ( أوغندا والكونغو ورواندا وبوروندي).

فهذا المشروع يسعى إلى إعادة تشكيل وترتيب خارطة التوازنات والتحالفات الإقليمية على ضوء المعطيات والتحولات الميدانية التي شهدتها منطقتا الشرق الأوسط، وشرق أفريقيا خلال العقدين الأخيرين، حيث قضايا الصراع ما زالت في معظم دولهما ساخنة ومرشحة للمزيد من التعقيد، بما تموج به من أزمات داخلية وصراعات حدودية وعرقية وطائفية وتدفق مخيف للسلاح، وتزايد حالات الانفصال والأعمال الإرهابية، ناهيك عن الصراعات الخفية الناشبة على أطراف ونقاط التماس العربي الأفريقي بين الإسلام والمسيحية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وما صاحبها من تنام لدور القوى الإسلامية المتطرفة، وتزايد العمليات الإرهابية للقاعدة، وبروز إيران كلاعب رئيسي في القرن الأفريقي، بالتوازي مع تراجع النفوذ الأوروبي لصالح تعاظم الوجود الأميركي والإسرائيلي.

بالنسبة إلى إيران يحتل القرن الأفريقي أهمية خاصة في قائمة اهتمامات السياسة الخارجية الإيرانية، ومما لا شك فيه أن تزايد النشاطات الإيرانية في منطقة القرن الأفريقي تلقي بظلالها وانعكاساتها السلبية على الأمن القومي العربي ككل، شأنه شأن النشاط الإسرائيلي في هذه المنطقة، وتكمن وراء هذا الاهتمام الإيراني في المنطقة عدة أهداف: أهداف سياسية، تتمثل في محاولة كسر حاجز العزلة الغربية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي، وإظهار نفسها كقوة عالمية منافسة يحسب لها حسابها في المنطقة، ومحاولتها السيطرة على الممرات المائية تحسبا لأي انفجار محتمل مع الغرب حول ملفها النووي، ناهيك عن طموحات فتح ممرات بحرية وبرية تسهل الوصول إلى مناطق الأزمات في الشرق الأوسط عبر تأمين وجود إيراني قريب من هذه المناطق وتوفير أوراق ضغط جديدة للمساومة في الشرق الأوسط.

أهداف دينية، وتتمثل بنشر المذهب الشيعي، ودعم وتحريك الشيعة في المنطقة بهدف خلق قواعد محلية موالية لإيران باعتبارها مرجعية حوزتها الدينية، من أجل الضغط على الحكومات الوطنية والعمل في مواجهة المصالح الغربية في أفريقيا.

أهداف أمنية، حيث تعمل إيران على جعل منطقة شرق أفريقيا إحدى المحطات الاستراتيجية المهمة لها في مواجهتها للقوى الغربية، وخاصة إسرائيل، وهو ما يعطيها نقطة ارتكاز تمكنها من القيام بمهام جهادية وقتالية ضد القوى الغربية إذا ما قررت الأخيرة تدمير قدرات إيران النووية.

وإلى جانب الأسلوب الدبلوماسي فـلإيران أياد غير ناعمة كذلك، إذ أنها تتورط في تصدير الأسلحة إلى مناطق الصراعات الأفريقية، وهناك معلومات تناقلتها وسائل الإعلام مؤخرا تشير إلى أنه جرى تزويد إرتيريا بمئات من عناصر فيلق القدس وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الذين يشرفون على قواعد صاروخية منتشرة في كل أراضي البلاد، وخصوصا على طول الساحل الإريتري على البحر الأحمر المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

كما تشير إلى القيام بتهريب الأسلحة إلى الحركات المتمردة في اليمن والصومال، وتسهيل نقل عناصر القاعدة من أفغانستان إلى جنوب اليمن، وكذلك تدريب عناصر التمرد الحوثي بمعسكر دنقللو الإريتري، بالإضافة إلى تعزيز وجودها العسكري البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وقُبالة السواحل الصومالية تحت ذريعة محاربة القرصنة، إلى جانب وجود قاعدة عسكرية إيرانية في ميناء عصب الإريتري.

إذا، الأجندة الإيرانية في إطارها العام ترمي إلى تعقيد حياة الأميركيين في الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، وإحباط المخطط الغربي لتشديد الحصار البحري عليها في مياه الشرق الأوسط، وإيجاد قاعدة انطلاق نحو شرق أفريقيا، حيث تدور حروب مكملة لما يجري في العراق وأفغانستان، وصولا إلى خلق استراتيجية أمنية إقليمية تضطلع فيها إيران بدور المهيمن الطارد لأي وجود قوي من قبل قوة أخرى، وبالتالي جر أميركا إلى طاولة مفاوضات جديدة.

جزء من دراسة صدرت عن مركز المزماة للدراسات والبحوث بعنوان "التنافس الإسرائيلي - الإيراني في القرن الأفريقي"

7