القروض الصينية حبل نجاة بعض الدول الأفريقية

الصين أقرضت دولا أفريقية قرابة 143 مليار دولار بين 2000 و2017، على شكل قروض لتمويل مشروعات البنية التحتية.
السبت 2019/08/10
أفريقيا سلاح بكين لمقارعة الكبار

لم تعد أفريقيا بالنسبة للصين كنزا من الموارد الطبيعية التي تستغلها بنشاط لتنمية اقتصادها، إنما أيضا ساحة لمد النفوذ السياسي والعسكري، في ظل تنامي التنافس مع الولايات المتحدة التي تشن حربا تجارية قاسية عليها.

لم يكن غريبا أن تدشن بكين أول منتدى صيني- أفريقي للسلام والأمن في منتصف يوليو الماضي، تحت عنوان “تعزيز التعاون وبناء الأمن بصورة مشتركة”، بحضور حوالي مئة مندوب من خمسين دولة أفريقية، بينهم 15 وزير دفاع ورئيس أركان جيش، لمناقشة أمور عسكرية مختلفة، والتباحث حول دور الجيوش في مجال السلام والأمن وغيرها من القضايا المؤثرة في استقرار القارة، والتي تفضي إلى تدعيم علاقات الصين مع أنظمتها.

جاء تدشين المنتدى بعد أن تعهدت بكين خلال قمة التعاون الصيني الأفريقي (فوكاك)، التي عقدت في 3 سبتمبر الماضي، بتعزيز التعاون العسكري والمالي مع دول القارة، وتقديم تمويل جديد بقيمة تصل إلى 60 مليار دولار، وشطب جزء من ديون الدول الأكثر فقرا في القارة، وكانت مستحقة في نهاية عام 2018.

وأوضح الرئيس الصيني شي جين بينغ أن التمويل الجديد لأفريقيا يشمل 15 مليار دولار في صورة مساعدات وقروض من دون فائدة وأخرى ميسرة، فضلا عن خط ائتماني بقيمة 20 مليار دولار، وصندوق خاص للتنمية بعشرة مليارات دولار، وصندوق للواردات من أفريقيا بخمسة مليارات دولار.

تلقى الشركات الصينية تشجيعا على زيادة وتيرة الاستثمار في القارة خلال السنوات الثلاث المقبلة، وسوف تنفذ الصين 50 مشروعا للتنمية الخضراء وحماية البيئة في أفريقيا، مع التركيز على مكافحة التغيرات المناخية والتصحر وحماية الحياة البرية.

Thumbnail

وأثار تزايد القروض الصينية إلى الدول الأفريقية نقاشا ساخنا بين فريقين. أحدهما يعارضها من باب أن بكين تتعمد نصب “فخ الديون” لأفريقيا لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي، والسيطرة على القارة وغزوها بأدوات اقتصادية محكمة، ما يقدم نموذجا استعماريا جديدا عبر محاور كثيرة، فتتمثل في محاولة الهيمنة على الموارد الطبيعية، وإقامة فروع للشركات الصينية في أفريقيا، وقد يصل الأمر إلى الحفاظ على معدلات الفساد في القارة بما يخدم مصالح بكين.

ويرى الفريق المؤيد أن القروض الصينية نعمة كبيرة لتحقيق التنمية في أفريقيا، وتتميز بسعر فائدة أقل، يتراوح بين 2 إلى 3 بالمئة سنوياً مقارنة بـ5 بالمئة للقروض الأميركية، وفترة سداد أطول مقارنة بمتوسط سوق التمويل الدولي، الذي تسيطر عليه الدول الغربية.

وتستخدم هذه القروض في المقام الأول في تشييد البُنى التحتية المتنوعة، والتي تبشر بعوائد سخية، لأنها ضرورية لبناء القدرات الاقتصادية للدول الأفريقية. ولا تربط بكين القروض بشروط سياسية كما تفعل بعض الدول الغربية التي تتخذ أحيانا من ملفات الحريات وحقوق الإنسان ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن الصين أقرضت دولا في القارة قرابة 143 مليار دولار بين عامي 2000 و2017، على شكل قروض لتمويل مشروعات تتعلق أساسا بالبنية التحتية، من نوعية سكك الحديد والطرقات والموانئ، الأمر الذي أحدث تغييرات جذرية في البنية الاقتصادية الأفريقية.

ساعد ذلك على نمو التجارة بين الطرفين من عشرة مليارات دولار عام 2000 إلى 200 مليار عام 2018. بينما تشهد التجارة الأفريقية مع أوروبا والولايات المتحدة ركودا منذ سنوات، الأمر الذي أغرى بكين بزيادة نفوذها.

بالموازاة مع ذلك، تم تسجيل نمو قوي في الاستثمارات المباشرة للصين في أفريقيا. وحسب وزارة التجارة الصينية، تستثمر بكين سنويا ما يقرب من 15 مليار دولار في الدول الأفريقية، وهو رقم قابل للارتفاع مع نمو الطموحات الاستراتيجية.

يقف خلف هذه الاستثمارات هدف رئيسي، هو تأمين مشتريات بكين في مجال الموارد الطبيعية، ما دفعها إلى الشروع في بناء مصانع تابعة لها في بعض الدول الأفريقية بهدف غزو بعض الأسواق المجاورة بمنتجاتها والاستفادة من اليد العاملة الأفريقية الرخيصة.

Thumbnail

يأتي السخاء الصيني في منح القروض للدول الأفريقية أيضا في سياق رغبة بكين في تنفيذ مبادرة “حزام واحد- طريق واحد”، وإعادة رسم خارطة الأمن العالمية خارج جوارها القريب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والذي تنشط فيه واشنطن حاليا لاحتواء الصعود الاقتصادي والعسكري الصيني.

تنظر بكين إلى أفريقيا على أنها ساحة مهمة يمكن أن تساهم في تعزيز قوتها العامة على نحو يقترب كثيرا من أن تصبح قوة عظمى، اقتصادية وسياسية وعسكرية، على قدم المساواة مع الولايات المتحدة.

من المرجح أن تنجح سياسة القروض التي تتبعها بكين مع أفريقيا في تحقيق حلم أن تصبح الصين قوة اقتصادية أولى عالمياً، بسبب حالة الفراغ التي شهدتها القارة، جراء التجاهل الأميركي لها، وانشغال غالبية الدول الأوروبية بأزماتها الداخلية التي عصفت بطموحات بعضها.

لذلك لن يجد الصينيون صعوبة كبيرة في تحقيق المزيد من التمدد في القارة الأفريقية من خلال سياسة القروض والاستثمارات، لأن دولها لم يعد أمامها حليف تثق فيه سوى بكين التي خصصت مبلغاً كبيراً للاستثمار في القارة، ويقدر بأربعة تريليونات دولار، وهو مبلغ ضخم للغاية.

وتؤكد معطيات كثيرة أن العديد من الزعماء الأفارقة تخلوا عن ترددهم في التصريح علنا بأن الصين هي “سترة النجاة بالنسبة لاقتصاديات بلدانهم”، من حيث الاستثمارات الجديدة، والمساعدات المالية لمواجهة الوضع الاجتماعي المتردي، ونقل التكنولوجيات الحديثة، ما يجعل دول القارة السمراء تحت قبضة وتأثير الصين لفترة طويلة قادمة.

7