"القريبة ك" رواية المشاعر الغامضة نحو عمى العالم

السبت 2013/10/12
الرواية تنهض على الغموض الذي استعاره خضرا من تضادات التعبيرية ومسرح العبث

تنهض رواية "القريبة كاف" على دعامة تقنية الغموض التي استعارها المؤلف من تضادات التعبيرية ومسرح العبث، فلعب على أوتارها، مُجردا الشخصيات من أسمائها ودلالاتها، باستثناء شخصية الأخ الأكبر أمين وهو الضابط في القوات المسلحة، ارتأى المؤلف أن يختار التجريد أسلوبا في تقديم شخصياته، تحيط بها بيئة صحراوية قاسية غير مؤطرة بخارطة جغرافية معروفة، انعكست بقساوتها وتجريديتها على تركيبتها النفسية، فكانت تبدو أمامنا حيوات مأزومة بعلاقتها الوجودية مع ذاتها وعلاقتها مع الآخر.

ينكشف التعارض بين الذات والموضوع، الذي هو الوحدة المركزية في الفلسفة الوجودية، في شخصية الأخ الأصغر الذي يمثل الشخصية المحورية الساردة للأحداث. ومحور أزمته هو استلاب الآخرين لذاته أمثال الأم والقريبة كاف والأب المشنوق وماضيه الغامض، وعجزه عن استعادة ذلك بالتواصل مع ذوات الآخرين.


المعمار الفني


الكتابة عن المحتوى في هذه الرواية لا تشكل أولويّة إزاء ما تُشكّله تقنية الكتابة من قيمة فنيّة لجأ إليها المؤلف ياسمينة الخضرا. وبذلك يتفق نهجهُ مع ما جاء في مقالة عنوانها "التقنية بوصفها اكتشافا" للناقد مارك شورر: "النقد الحديث أظهر لنا، بأنّ الحديث عن المُحتوى في حدّ ذاته ليس حديثا عن الفن أبدا، ولكن حديثا عن التجربة. وإننا لا نتحدث بوصفنا نقادا إلاّ حين نتحدث عن المحتوى المُنجز/الشكل، أي العمل الفني بوصفه عملا فنيا، والفرق بين المحتوى أو التجربة والمحتوى المنجز هو التقنية. إذن فحين نتحدث عن التقنية فإننا نتحدث عن كل شيء تقريبا".

ووفق هذا المنظور، فإنّ المفردات التقنية الكلاسيكية في البناء السردي، من عقدة وشخصية ومحيط وفكرة مركزية، لم يعد ينحصر حضورها في بنية الرواية فقط بل تعدى ذلك إلى النص المسرحي. ولم تعد لها تلك الأهمية مقابل تطبيقات أخرى تتعلق بالعلاقات التي ينبغي على المؤلف الأخذ بها وتتضمن علاقة المؤلف بالسارد وعلاقة السارد بالقصة والطرق التي بواسطتها يوفر مدخلا إلى عقول الشخصيات وأمور أخرى تخص وجهة النظر.


السارد الأوحد


يفتتح المؤلف ياسيمنة خضرا روايته بهذا الإهداء: "إلى أصدقائي في جمعية محبي الأدب البوليسي إلى المسافرين المدهشين الذين صادفتهم في الرحلة من سان مالمو إلى دابلن، إلى الأسبوع الزنجي في خيخون، إلى كل أصدقائي".

عتبة الإهداء هنا تعد مدخلا مهما للقارئ وهو يتهيأ للدخول إلى المبنى الجمالي للخطاب السردي في رواية "القريبة كاف"، فبواسطتها منحنا الكاتب إشارة فنية حول تقنية الكتابة ضمن الأسلوب البوليسي، ومن خلال هذا الإطار قصد تقديم سرديته، وما يتبع ذلك من عناصر أخرى شكلت قيما جوهرية في أسس المعمار الفني الذي شاءه لهذا العمل كالبنية والصورة والاستعارة والرّمز التي تفرض حضورها في السرد باعتبارها تقنيات يتم اللجوء إليها لتحقيق موضوعيته ووسائل قوية في تمثيل الوعي.

السارد في رواية "القريبة كاف" يأتي بناؤه ضمن صيغة السارد المُمسرح الحامل لصفات شخصية، كما يسمّيه الناقد واين بوث حيث يستحوذ لوحده، مُهيمنا، على سرد الأحداث، انطلاقا من وجهة نظره التي يكشف فيها ما يختبئ داخله من أحاسيس ومشاعر تجاه العالم الأجرد الذي يحيط به في قريته، "دارة يتيم" وتجاه "القريبة كاف" التي يعشقها ويكرهها في الوقت نفسه لأنها تعرف كيف تستفزّه وتستهزئ منه، كذلك تجاه والدته التي لا تشعر بوجوده، ومن خلال هذا السارد المُمسرح الحامل لصفات شخصية، يوصلُ المؤلف القيم والأفكار إلى القارئ: "الزمن يمضي ولا ينتظر أحدا وكل مراسي العالم لا تستطيع أن تمسك به، لا مرفأ يعود إليه، الزمن إنّه مجرد ريح تعبر ولا تعود أدراجها".


حياة هاربة


تسكُنُ الأخ الأصغر مشاعر مضطربة تتأرجح ما بين الغيرة والحسد والإحساس بالدونية والعدم، ليسقط أسير حالة نفسية جوهرها العجزعن كسب تفاعل ومحبة الآخرين: "لا أكترث للحاق بالرّكب، والمضي إلى عثرات أخرى، لا أعبأ بترقب العودة الخلاصية لمسيح ما. البشر يضايقونني. الغدوات لا تغريني. خساسات الأرض لا تطالني. لا أهتم لحُلم يموت أكثر من اهتمامي بورقة شجرة دلب لطّخها الخريف. أبقى خلف مرآتي، حصنا منيعا، ألوذ بلحظات وحدتي وأصغي، وهو فضولٌ لا يورّطني في شيء".

وفي صباح يوم بعيد عندما كان الأخ الأصغر في الخامسة من عمره وجد والده مشنوقا بطريقة مهينة في زريبة حيوانات البيت وهو عار من رأسه إلى أخمص قدميه، مفقوء العينين وقضيبه في فمه.

هذه الصورة تركت أثرا عميقا في داخله، حتى أنه لم يرجع إلى الزريبة مرة ثانية كما كان يفعل للتّنعم بمشاهدة العجل الصغير الذي كانت بقرتهم قد ولدته قبل أيام معدودة من الحدث :"لن أتعلق بعد اليوم بما ليس بوسعي أن أحافظ عليه".

أيضا الاهتمام المُفرط والحميم من جانب والدته بشقيقه الأكبر أمين الضابط في الجيش الجزائري يترك أثرا مؤذيا لذاته. هذه المؤثرات دفعته إلى أن يتوارى وينعزل "تعلمتُ منذ نعومة أظفاري أن أختبئ. لم أكن خائفا، ولا أحد كان يلاحقني. أختبئ حالما أتوارى عن ناظري أمي. يتراءى لي، كلما أشاحت ببصرها عني، أنني أختفي، وأكف عن الوجود".

الكتابة عن المحتوى في الرواية لا تشكل أولويّة


تمرين على القتل


حياة الأخ الأصغر وسط بيئة كهذه كانت تهرب بغباء، يوما بعد يوم، ليلة بعد ليلة، وتستثير رغبته بالرقاد حتى يُقبل الموت، إلاّ أن قراءة الكتب علمته أنّ الكتابة تمرين انهزامي، ومحاولة للهروب إلى الأمام، كان يقرأ كما ينبش المرء حقائق مكروهة ليصل إلى قناعة كان سارتر قد سبقه في التوصّل إليها: "الجحيم هو الآخرون".

لم يكن يعيش حياته، مكتفيا بوجوده كأخدود على درب: "فليذهب الزمن إلى الجحيم! حين لا تكون القريبة كاف هنا، بالكاد تستحق الأمور أن يتلكأ عندها المرء". تولدت لديه مشاعر غيرة وانتقام من القريبة كاف.

الفتاة النّابغة التي تحصد الجوائز في المدرسة، والتي كلما تجيء إلى بيتهم تستحوذ على كل الاهتمام، الكـل يـدور في فلكهـا، فأدرك أن الأعمى ليس من لا يُبصر، بل من لا نُبصرهُ، ولا عمى أسوأ من ألاّ يُلاحظ أحدهم وجودك. هذه المشاعر الشريرة والحقودة كانت كافية لأن يتورّط بدفع القريبة كاف، بينما كانت تلهو وتلعب، لتسقط في بئر يقع وسط مزرعة قديمة مهجورة، وليعود هو إلى الدار وكأن شيئا لم يكن: "لا لأنني لم أدرك ماذا فعلت بل لأنني اعتبرتُ فقط أنّه لا داعي للندم عليه".

يتم العثور عليها في أعماق البئر وقد كُسرت إحدى ساقيها وجحظت عيناها رعبا. وباتت الظلمة ترعبها وتمضي وقتها تُنقلُ من عيادة إلى مصحة عقلية.

ولم يُخامر الشك أحدا بأن الأخ الأصغر هو من قام بتلك الفعلة. وفيما بعد ستدفعه المشاعر نفسها لأن يقتل فتاة غريبة بائسة، يقذف بها سائق تاكسي من سيارته، ويغادر مسرعا لتكون أمام قدرها المحتوم في بقعة موحشة سكانها يكرهون الغرباء، ولا من سيارة أجرة تعيدها إلى بيتها في ساعة الغروب، فأهل القرية يعتقدون أن السّفر في الليل يجلب الشؤم، لذا يتوجب عليها التريث حتى الصباح، وما كان أمامها سوى قبول دعوته لها إلى المبيت في دارهم.

ولأنه سجين نفسه، وفي آن واحد سجينٌ وسجان، يقبع طيلة حياته في جزيرة عنوانها الانتظار، جزيرة أقصيت من حولها الآفاق. فيشعر وكأنه يتعفّن في مأوى للعجزة. فجأة تندفع مشاعره بغضا وكرها تراكما في ذاته نتيجة تجاهُل كان قد لقيه من الأم والقريبة كاف، تنفجر دفعة واحدة عندما يجد أن الفتاة الغريبة هي الأخرى مثل القريبة كاف تنتقص منه وتعامله بتجاهل فلا تطلب منه أي شيء: "ما معنى أن لا تطلبي مني شيئا ينقصك، ما العيب في أن يرغب المرء بإسداء خدمة، أو بمدّ يد العون، أو التصرف بأريحية ؟".

فتهرع يدهُ من تلقاء نفسها لتتناول سكينا وتبدأ بطعن الفتاة، ولم تفلح الدماء التي لطخت ثيابه والجدران من أن تجعله يصحو من سكرة اندفاعه المحموم، ولا حتى الصمت الذي أعقب الطعنات المتلاحقة، ظل مستسلما لشعور فادح ما انفك يلازمه على أنّ وجوده عدم، وأن لا أهمية له طالما الآخرون ليسوا بحاجة إليه: "في أعماق محنتي، أشعر أنني ما كنتُ لأغير شيئا حتى لو شئت ذلك حقا".

16