القزويني والحمامي نموذجان لسيادة الخرافة وهزيمة الثقافة بالعراق

الخميس 2016/10/06

هل هي مصادفة أم توارد خواطر مشتركة، بين اثنين، أحدهما قارئ حسيني في الحلة، والآخر بحار متقاعد من البصرة، اشتركا في غضون أقل من أسبوع في إطلاق سلسلة من التصريحات تجمع بين الهلوسة والغيبيات والخرافات عن مدينة أثرية في جنوب العراق تحمل اسم “أور” تقول المرويات التاريخية إن السومريين اتخذوها عاصمة لهم في عام 2100 قبل الهجرة، وتشير أيضا إلى أن أبا الأنبياء إبراهيم ولد فيها، حيث يقول الملا فرقد القزويني الحسيني، إن “زقورة” المدينة التي هي مقبرة لـ(16) حاكما دفنوا فيها مع جواريهم المقتولات بالسم كما في عقائد آلهة القمر “لنانا” التي قدسها السومريون، هي “بكة” (بالباء)، بناها إبراهيم كأول بيت لله وهي الكعبة الحقيقة التي يجب أن يحج المسلمون إليها، وليست مكة الحالية (المزيفة) حسب رأيه، بينما ينسب وزير النقل كاظم فنجان الحمامي، إلى المدينة الأثرية ذاتها، بأن أول مطار في تاريخ البشرية شيده السومريون فيها قبل خمسة آلاف سنة وأقلعوا منه بمركبات فضائية نحو الكواكب الأخرى، ناسفا الحقائق العلمية التي تؤكد أن العام 1957 هو أول تاريخ معروف لارتياد الفضاء عندما أطلق الاتحاد السوفييتي السابق قمر (سبوتنك 1).

وإذا كان العراقيون قد يهضمون مقولات الملا الشيعي القزويني من باب النكتة والطرافة في وقت لم يعد لهما مكان في عراق اليوم، بعد أن ساد فيه اللطم والنواح وشج الرؤوس بـ(القامات) وتسيد عليه أصحاب العمائم السوداء والبيضاء، فإنه من الصعب تصديق ما تحدث به الحمامي، الذي عين وزيرا للنقل قبل أقل من شهرين، بعد أن رشحه المجلس الأعلى بزعامة عمار الحكيم إلى رئيس الحكومة حيدر العبادي، خلفا للقيادي في المجلس باقر صولاغ، باعتبار أن الرجل “تكنوقراط” وخبير في علوم البحار.

وإذا كان الملالي في العراق، لقلة ثقافتهم ومحدودية معارفهم، يشعرون بالغيرة والحسد من الأكاديميين والباحثين والعلماء والخبراء، كحالة القزويني الذي لخفة عقله وتخبط سلوكه، جلب عليه السخرية وصار يضرب مثلا في التعدي على الأنبياء والمرسلين وإيراد قصص كاذبة عنهم والمبالغة في تعظيم الأئمة الإثني عشرية بطريقة غبية، دون أن يردعه أحد، رغم إساءاته المتكررة للرسول الأعظم محمد (ص) الذي يسميه في خطبه الهوجاء (أبوجاسم) استخفافا بمكانته المهيبة ومنزلته الموقرة صلوات الله عليه، فإن الأمر مع الحمامي يختلف، فهذا الكائن الفضائي كما أثبت بنفسه على نفسه، كان قد صدّع رؤوسنا في السنوات السابقة بمقالات وخواطر عن تجاربه في البحار، بعضها ساذج وبعضها الآخر مختلق، بحيث تفوق على نظيره الأسطوري “السندباد البحري” في التهويل والخيال، والغريب في أمره أن رئيس الحكومة حيدر العبادي قدمه إلى الرأي العام العراقي ومجلس النواب بأنه “تكنوقراط” وخبير في النقل، دون تحديد، رغم أنه بحار عمل لسنوات على ظهر سفينة للبضائع تابعة لمصلحة الموانئ باعترافه، ووظيفته المحدودة السابقة لا تتيح له، أن يتولى وزارة بحجم وأهمية وزارة النقل التي كانت في العهود السابقة من أكثر الوزارات حيوية وخدمة للبلد والشعب، قبل أن يحولها هادي العامري وباقر صولاغ إلى وزارة للأميين وأنصاف المتعلمين الذين عينوا مدراء عامين لدوائرها الفنية، وأحدهم ابن أخت العامري، كان جنديا هاربا من الخدمة العسكرية يعرفه أهالي قرية “جيزاني” بمحافظة ديالى، وصنفه (المخابرة) أي تشغيل البدلات والرد على الاتصالات الهاتفية الذي عين مستشارا بدرجة مدير عام المراقبة الجوية.

المرجعية الشيعية سرحت الآلاف من الجهلة ينشرون الطائفية والأفكار الظلامية بلا متابعة أو حساب

وقد ثبت أن المجلس الأعلى الذي رشح كاظم فنجان الحمامي وجبار لعيبي لوزارتي النقل والنفط باعتبار الوزارتين ملكا صرفا له، حسب استحقاقات المحاصصة الطائفية، لا تعنيه الكفاءة والاختصاص لضمان إدارة الوزارتين ونجاحهما، بقدر ما تبقيان في عهدته، لتأمين التعيينات الوظيفية والاستخدامية لأنصار المجلس ومؤيديه فيهما، واستمرار تدفق زكاة (الخمس) من وزيرين يشغلان أغنى وزارتين في العراق، ولا تصدقوا سيل الأحاديث والخطب التي يلقيها رئيس المجلس عمار الحكيم أسبوعيا في مجمعه السكني المنيف المؤلف من ست فلل مسلوبة من أصحابها الشرعيين، واحدهم المرحوم طارق عزيز، وهي تقطر حسرة وحرقة على مستقبل البلاد.

ليس من الإنصاف أن نتهم الملا القزويني وحده، بأنه صاحب بدع وضلال، وليس من العدل أن نسخر من ابن فنجان بشخصه، لأنه أبحر في أوهامه واختلق الأكاذيب، إنما اللوم يقع على المرجعية الشيعية التي سرحت الآلاف من الجهلة والمتخلفين ينشرون الطائفية والأفكار الظلامية بلا متابعة أو حساب، واللوم نفسه يوجّه إلى الطبقة السياسية المتهرئة التي طفت على سطح العراق وصارت تتحكم بمصيره.

هل نلعن صدام حسين الذي ترك جيشا من العلماء والخبراء والأكاديميين، بعثهم إلى أرقى الجامعات العالمية وحصلوا على أعلى الشهادات العلمية، الكثير منهم لا يجد عملا الآن ويعاني من البطالة وشظف العيش، بعد أن حل بدلا منهم، أشخاص كل كفاءتهم أنهم يتقنون الكذب والنفاق، وأحدهم كان معروفا في لندن بفلتان أعصابه يرأس الآن جامعة ببغداد، بعد أن استولى على أكاديمية البكر للعلوم العسكرية وسجل أرضها وقاعاتها ومرافقها باسمه الذي تسبقه مفردة “الدكتور” دون خجل وبلا خوف من سائل يستفسر منه عن طبيعة شهادته ومن أي جامعة حصل عليها، وهو المعروف للاجئين العراقيين في إيران خلال الثمانينات بأنه كان مضّحكا لخامنئي الذي كان يستدعيه دوريا، ليستمتع بنكاته ويرتاح لسماع حكاياه.

كاتب عراقي

8